بين “جرباء” الواقع و”صحيحة” الإصلاح: دعوة للمرجعية لتغيير مسار العراق
بقلم/عدنان صگر الخليفه
لطالما تردد المثل العربي البليغ: “لا تربط الجرباء حول صحيحة خوفًا على تلك الصحيحة تجرب.” هذا التحذير يكتسب في سياق العملية السياسية العراقية عمقًا خاصًا. الناخب، وهو “الصحيحة” التي تحمل أمانة صوته ومستقبل وطنه، يجد نفسه مُجبَرًا على الاختيار بين خيارات ملوثة بـ “جرب” الفساد والمحاصصة، لأنه لا وجود لـ “الأصلح” الحقيقي في غياب قوانين انتخابية عادلة. هذا الواقع يُفقد المواطن الثقة ويُشعره بضياع صوته، ويجعل توجيه الناخب للاختيار بين “الأكثر جربًا” و”الأقل جربًا” عبئًا غير عادل ومسؤولية مستحيلة.
المشكلة الحقيقية ليست في وعي الناخب أو رغبته في التغيير، بل في “جرباء” المنظومة السياسية ذاتها. تتجسد هذه “الجرباء” في قوانين انتخابية معيبة تُبقي على المحاصصة والطائفية، وأحزاب فاسدة متغلغلة، وتحالفات سياسية تجمع “المسيء” مع “الأسوأ”.
السياسيون العراقيون أنفسهم يُقرّون بأن المرجعية العليا هي “صمام الأمان” للعراق وأن أوامرها واجبة التطبيق عليهم. هذا الاعتراف يُلقي بمسؤولية كبرى على عاتقهم. فإذا كانت المرجعية هي صمام الأمان، يجب أن يُفعّل هذا الصمام ليوجه البوصلة نحو الإصلاح الجذري للمنظومة التشريعية، لا مجرد حث الناخبين على المشاركة في ظروف غير مواتية. ما نطمح إليه هو أن يكون البناء الأساسي الحقيقي للدولة من خلال توجيه المرجعية، ليس بالتركيز على كثرة الفتاوى للناخب، بل عبر توجيه صريح ومُلزم إلى المشرّع العراقي (البرلمان). هذا التوجيه يجب أن يُلزمهم بتشريع قانون أحزاب حقيقي يضمن الشفافية ويُبعد الفساد، وسن قانون انتخابي عادل بدائرة واحدة على مستوى العراق لإنهاء المحاصصة، بالإضافة إلى تشريع انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بشكل مباشر من الشعب، لتحرير المناصب العليا من المساومات الطائفية والحزبية.
هذه الخطوات الجذرية ستُزيل الثقل عن كاهل الناخب، وتُمكنه من اختيار “الأصلح” فعلاً في بيئة مهيأة. كما أنها ستُزيل سوء الظن عن المرجعية وتُبرز دورها كقائد للإصلاح الجذري. إذا أطلقت المرجعية هذه التوجيهات المُلزمة ولم يستجب السياسيون، فسيتسع الفارق بينهم وبين المرجعية الصادقة. حينها، سيعلم المجتمع العراقي أن المرجعية قد أدّت ما عليها، وأن الطبقة السياسية اختارت إبقاء “الجرباء حول صحيحة خوفًا على تلك الصحيحة تجرب” على حساب مستقبل العراق. إن طريق الإصلاح الحقيقي وبناء الدولة الحديثة في العراق، التي تحافظ على كل مكونات الشعب ودياناته وطوائفه في مركز واحد، يبدأ من تفعيل الدور المركزي للمرجعية في توجيه المشرّع نحو القوانين الجذرية التي تقتلع جذور الفساد والمحاصصة. بهذا التأسيس الحقيقي، لن تحتاج المرجعية إلى إصدار فتاوى مكثفة لاحقًا، بل ستكون الناظر بعين الأب الذي يوجه أبناءه بالعمل الصحيح ضمن مسار واضح ومستقيم
زر الذهاب إلى الأعلى