العراق: دوامة “الخيار الوحيد” وسرقة الوطن بـ”العصا والجزرة”
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يجد المواطن العراقي نفسه اليوم محاصرًا في دوامة سياسية معقدة، تُقدم له خيارات مزيفة تستهدف وعيه ومستقبله. فبينما يصرخ البعض بضرورة “تبديل الوجوه”، يدرك المتتبع أن هذه الوجوه الجديدة غالبًا ما تكون استنساخًا لأخرى قديمة ضمن ذات الإطار الحزبي الفاسد. هذه ليست مجرد صدفة، بل هي منظومة محكمة تُدار بأدوات نفسية واجتماعية ودينية، تُبقي على الفساد وتُحصّن المستفيدين منه.
القوى المتنفذة في العراق، من مختلف الطوائف والمكونات، تستخدم ترسانة من الأدوات لضمان بقائها. تبدأ بمقولة “لا بد للقوم من أمير برٍّ كان أم فاجر” لإقناع الناس بأن أي سلطة، مهما كانت فاسدة، أفضل من الفوضى. يتصاعد هذا التكتيك ليُقدم خيارًا مزيفًا آخر: “إما الفساد وإما البعث”، وهي مغالطة تلغي أي خيار ثالث لدولة مدنية نزيهة. الأخطر هو تهديد بعض الشخصيات والأحزاب الدينية المواطنين بالحرمان من الشعائر الدينية، كزيارة الأربعين، إن لم يُصوتوا لمرشحيهم. هذا ابتزاز ديني سافر يستغل العاطفة والإيمان للتحكم بالقرار السياسي.
لا يغيب عن المشهد أسلوب المظلومية والتهميش الذي يُوظف ببراعة، حيث تُقدم كل جهة نفسها كضحية دائمة، تُعزز الانقسام وتُبرر أي فساد داخلي. كما تُستخدم شيطنة الحكومة المركزية، بتوجيه الاتهامات لها بقطع الأرزاق، بينما الفساد الحقيقي محلي. وأخيرًا، تُختتم السلسلة بمقولة “إن لم أكن أنا، فالكل أعداء”، لتُقدم كل جهة نفسها على أنها الضامن الوحيد لبقاء مكونها، وأن الآخرين جميعًا أعداء متربصون.
المأساة الكبرى تكمن في أن هذه “العقيدة” الفاسدة تُدعم من قبل جزء من النخب الفكرية والدينية والثقافية من مختلف الطوائف. هؤلاء، ممن اكتسبوا نفوذًا ومصالح من النظام القائم، يُقدمون تبريرات فكرية ودينية لدوام الفساد، ويُخدرون الوعي العام، ليصبحوا حراسًا لهذه الدائرة المغلقة.
إن كسر هذه الدائرة المفرغة يتطلب وعيًا عميقًا وشجاعة مدنية. يجب إدراك أن التهديد بالبعث أو بالحرمان الديني أو الاقتصادي، ليست خيارات حقيقية، بل أدوات للسيطرة. كما يجب التأكيد على أن الشعائر الدينية حق لا يُساوم عليه، وأن اختيار القادة يجب أن يُبنى على الكفاءة والنزاهة، لا على الابتزاز. المخرج يكمن في المطالبة ببديل وطني حقيقي: دولة المواطنة، دولة القانون، والنزاهة. يتطلب الأمر أيضًا فضح وتعرية المستفيدين، والكشف المستمر عن دور النخب التي تدافع عن الفساد، مع تبريز الأصوات النزيهة والمستقلة.
العراق اليوم بحاجة ماسة إلى ثورة وعي تُعيد للإمام الحسين مغزاه الثوري الحقيقي ضد الظلم والفساد، وتُحرر المواطن من خيارات “العصا والجزرة” المزيفة، ليختار مستقبله بحرية وإرادة حرة.
زر الذهاب إلى الأعلى