سلطة الكعكة: الشعب ضحية صراع النفوذ والفساد
بقلم/عدنان صگر الخليفه
صواب اللي بغيرك شدخ، هذا ما يتردد صداه في المشهد السياسي العراقي، حيث تتجلى مفارقة صارخة في مفهوم “وحدة الموقف” والتمثيل الديمقراطي. الاجتماعات الكبرى، رغم عناوينها البراقة، تكشف واقعًا تُصادر فيه أصوات الأغلبية لصالح قلة متنفذة.
أحدث مثال هو اجتماع دعا إليه الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مصيف صلاح الدين. حضره أكثر من 40 حزبًا، لكن المفارقة أن غالبيتهم بلا تمثيل برلماني يُذكر. فقط أربعة أحزاب تملك مقاعد، اثنان منها بمقعد واحد. هذا يثير تساؤلات جدية: أي “وحدة موقف كوردي” هذه، وأين بقية ممثلي المجتمع الكردي؟
الواقع يؤكد أن التمثيل أصبح حكرًا على الرأي الحاكم، أي للحزب الديمقراطي الكوردستاني أو للاتحاد الوطني الكوردستاني. الأصوات المغايرة تُهمَّش، حتى لو كانت صائبة، لأن رأي الأحزاب المهيمنة هو الوحيد الذي يُسمع من بغداد. هذا يعني ضمنًا أن هذه الأحزاب متقاسمة للسلطة والمال. رغم تناقض مصالحها أحياناً، تتفق على مبدأ واحد: لا تريد أن يخرج هذا النفوذ من بين أيديها نهائياً.
الدليل الأبرز على هذا النهج هو أزمة النفط والغاز المتكررة. فحكومة إقليم كردستان أبرمت عقودًا لاستخراج النفط والغاز مع جهات خارجية دون الرجوع للمركز. هذا ليس بجديد، بل تكرار لنمط سابق من الخلافات، والخطير أن هذا التكرار قد يكون مقصودًا لإكثار المشاكل بين الإقليم والمركز. الهدف هو إظهار تسلط المركز على قرار الإقليم، وهو ما يخدم سردية سياسية معينة.
هذا السلوك يخلق مشكلات يصعب على المركز حلها، أبرزها قطع رواتب الموظفين في إقليم كردستان. فالحكومة المركزية ترى أن من حقها عدم صرف الأموال ما دام الإقليم لا يسلم الإيرادات المتفق عليها ضمن الموازنة. الموازنة تعتمد على تسليم الإقليم لإيراداته ليتمكن المركز من إكمال حصته المالية. عدم التسليم يصعب على المركز توفير الأموال للإقليم، ويدفعه نحو خيارات قد تكون ظالمة للمحافظات الأخرى.
وهنا تكمن المأساة؛ فإذا اضطر المركز لتعويض العجز في حصة الإقليم من موازنات المحافظات الأخرى، فهذا يعني ظلماً لبقية مكونات المجتمع العراقي. ستُقتطع حقوق محافظات تعاني أصلاً من نقص الخدمات، ويُصرف جزء منها لإقليم لم يلتزم بتعهداته. كل ذلك يجري تحت غطاء “إنصاف” أو “مظلومية الشعب الكردي”، وهي حجج تبدو كاذبة وواهية عندما ندرك أن الشعب نفسه، سواء في الإقليم أو في بقية العراق، لم يحصل على أي حقوق حقيقية.
والمثير للسخرية، أن بعض السياسيين والمدونين يطالبون “بعدم استعمال قطع رواتب الإقليم سياسياً”. هذا الطرح لا يكتفي بمخالفة القوانين والأنظمة، بل يدعو صراحة إلى “سرقة” حقوق بقية المجتمع العراقي لإعطاء “حقوق” لإقليم سُرقت موارده أصلاً من قبل سلطته التي رفضت تسليمها للمركز.
الخلاصة، ما يجري في العراق ليس سوى تقاسم سلطة وتثبيت لمرتكزات “سلطنة” لا تفرغ من الفساد. “الكعكة” (ثروات العراق) تُقتسم فيما بينهم. الشعب، بكل أسف، لا يوجد ضمن أولويات هذه الاتفاقات والمفاوضات؛ الأولويات الوحيدة هي تثبيت سلطة هذه الأحزاب في الإقليم والمركز لا أكثر ولا أقل.
زر الذهاب إلى الأعلى