قمة بغداد وظلال ترامب: المسرح العربي بين الصورة والمضمون
علاء الطائي
وسط انكشاف الأدوار الدولية والتحولات الإقليمية المتسارعة تتهيأ بغداد لاستضافة قمة عربية جديدة يُراد لها أن تكون لحظة استثنائية في تاريخ العراق الحديث وبوابة عبور نحو تموضع إقليمي أكثر حضورًا لكن مع تزامن هذه القمة كانت زيارة لافتة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى ثلاثة من العواصم الخليجية بدأ المشهد وكأننا أمام سباقٍ على الأضواء
-من يخطف الكاميرا؟
-ومن يحدد عناوين المرحلة؟
قمة الرياض:
الجولاني في حضن واشنطن
زيارة ترامب إلى الرياض وأبو ظبي والدوحة لم تكن مجرد زيارة عابرة لرئيس سابق بل تجلت كحدث محوري أعاد تشكيل خطوط الجاذبية في المشهد العربي الزيارة حملت رسائل متعددة
-من صفقات اقتصادية ضخمة
– إلى تفاهمات أمنية مغلّفة
– وصولًا إلى ما يمكن وصفه بـ”إعادة تدوير” بعض الأدوات وعلى رأسها الجولاني.
الجولاني الذي كان إلى وقت قريب يوصف بالإرهابي الأول عاد فجأة إلى الواجهة – لا بصفته عدوًا بل شريكًا محتملًا هنا تحديدًا تنكشف مفارقة اللعبة الأميركية
– واشنطن لا تتبنى مبدأ
-ولا تلتزم بخط استراتيجي
– بل تتحرك وفق مصالحها اللحظية تُقرب من ترى فيه منفعة وتُقصي من لم يعد يخدم أجنداتها حتى لو كان بالأمس حليفًا.
في قمة الرياض لم يكن الحديث عن فلسطين ولا عن استقرار المنطقة بل عن إعادة رسم خرائط النفوذ وعن دور جديد للجولاني كـ”ابن بار” للمشروع الأميركي في سوريا مدعوم بحاضنة إقليمية مستعدة للتطبيع والتقسيم لا للمقاومة أو الوحدة
قمة بغداد:
وقفة في الصورة… أم موقع في الخارطة؟
على الجانب الآخر تستعد بغداد لاستضافة قمة توصف بـ”التاريخية” رغم أن التوقيت والسياق لا يبشران بالكثير فالحضور العربي متذبذب والقضايا الكبرى مؤجلة والبيانات الختامية معروفة سلفًا
– “نؤيد القضية الفلسطينية”
– “ندعو لحل الدولتين”
– “ندين العدوان”
– “نتمسك بالشرعية الدولية” وهكذا دواليك.
لكن اللافت أكثر من مضمون القمة هو تركيز الحكومة العراقية – أو بالأحرى الإعلام المرافق لها – على “الوقفة التاريخية” لرئيس الوزراء في الصورة الجماعية وعلى بروتوكولات معدّة مسبقًا وكأننا نبحث عن لحظة مجد بين الديكور والكاميرا.
العراق بدل أن يطرح مشروعًا جادًا لمبادرة عربية جامعة أو لرؤية جديدة في إدارة الملفات الإقليمية يبدو مشغولًا بتجميل صورة الدولة لا إعادة بناء مركزها وهنا تتكرس المعضلة
-هل نريد قمة تُنتج سياسة؟
-أم مجرد قمة تُشبع رغبة رمزية في أن نكون وسط الصورة؟
بين قمة وقمة:
من يملك المعنى؟
في اللحظة نفسها التي كانت تنشغل فيها بغداد بالإعداد لقمتها المرتقبة كان الإعلام منشغلًا بما قاله ترامب في الرياض وبمن صافحه في أبو ظبي وبما أبرمه في الدوحة هذا التشتيت ليس صدفة بل يعكس واقعًا مريرًا القرارات تصنع في العواصم الاقتصادية لا في قاعات القمم العربية
وعليه فإن العراق – برغم صدقه في محاولة استعادة دوره – يبدو محكومًا بحدود المشهد المأزوم
– لا وحدة عربية
– لا إجماع
– لا مبادرات حقيقية
– ولا قدرة على فرض توازن مستقل. وما القمم العربية إلا “ندوات مجتمع مدني على مستوى الملوك والرؤساء” كما عبّر أحد المعلقين حيث يجتمع الزعماء يلقون كلماتهم ثم يعودون أدراجهم دون أثر يُذكر
خلاصة القول الواقع لا يُجمَّل بالكاميرا
إن استضافة القمم لا تعني استعادة الدور كما أن الصور لا تصنع رمزية حقيقية الدور يُبنى بالتأثير لا بالاستعراض والمكانة تُستعاد بالمبادرات لا بالبيانات.
المنطقة اليوم تقف عند مفترق طرق واشنطن تكشف عن وجهها الحقيقي الحاضنات الإقليمية تُعيد تموضعها والعراق يبحث عن مكان في عالم لا يعترف إلا بالقوة والمصالح
أما القمم فتبقى مظهرًا بلا جوهر ما لم تتحول من منصة للكلمات إلى حلبة للفعل ومن صورة جماعية إلى مشروع جماعي.
زر الذهاب إلى الأعلى