الرئيسيةالمقالات

بغداد تحت المجهر العربي: قمة تبحث عن قيادة في دولة بلا قرار

بغداد تحت المجهر العربي: قمة تبحث عن قيادة في دولة بلا قرار

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

تستعد العاصمة العراقية بغداد لاستضافة القمة العربية الرابعة والثلاثين في مايو 2025، وسط تطلعات معلقة على إمكانية أن تمثل هذه القمة نقطة تحول في دور العراق الإقليمي وتعزيز مكانته في محيطه العربي. وبينما قد يرى البعض في هذه الاستضافة فرصة سانحة لاستعادة العراق زمام المبادرة وعرض صورته كفاعل إقليمي مستقر، إلا أن هذا المنظور الطموح يصطدم بواقع سياسي واقتصادي وأمني معقد تواجهه البلاد، ويضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة بغداد على قيادة دفة العمل العربي المشترك.
قد تتناول بعض التحليلات بتفاؤل إمكانية أن تكون قمة بغداد محطة مفصلية في مسيرة العراق وعلاقته بمحيطه العربي، مشيرة إلى سياسة الانفتاح والتوازن التي تتبناها بغداد. إلا أن هذا التفاؤل يغفل تحديات جوهرية تعيق تحقيق هذه التطلعات. فالعراق لا يزال يعاني من تشتت في مركزية القرار، حيث تتداخل الولاءات وتتقاطع المصالح، مما يجعل من الصعب تبني مواقف موحدة وتنفيذ قرارات مؤثرة. كما أن مؤسسات الدولة تواجه تحديات في فرض القانون وتطبيق الإصلاحات، بينما يستمر الفساد في تقويض جهود التنمية وبناء الثقة، وهو واقع معقد يضع علامات استفهام حول قدرة العراق على أن يكون القوة الدافعة وراء أي تحرك عربي مشترك.
يزيد من تعقيد المشهد طبيعة المناصب القيادية في العراق، حيث يمثل رئيس مجلس الوزراء رأس السلطة التنفيذية ضمن إطار ائتلافي قد يحد من قدرته على اتخاذ قرارات فردية مؤثرة، بينما يظل منصب رئيس الجمهورية شرفيًا إلى حد كبير. وقد انعكس هذا الواقع في مستوى التمثيل المتوقع للقادة العرب في قمة بغداد، حيث تشير التقارير المؤكدة إلى اعتذار غالبية الزعماء المؤثرين في المنطقة عن الحضور على أعلى مستوى، بما في ذلك قادة دول الخليج وعلى رأسها السعودية، والأردن، وسوريا، والجزائر، ولبنان، وتونس، مع احتمالات لغياب قادة آخرين، وهو ما يقلل حتمًا من الزخم السياسي والأهمية الرمزية للقمة.
في القمم العربية والدولية، تحمل البروتوكولات دلالات عميقة حول مكانة الدول وقادتها، حيث تحظى رؤساء الدول بالأسبقية المطلقة. وبناءً على اعتذار معظم القادة العرب، من المتوقع أن يشهد ترتيب القادة في قمة بغداد غيابًا لافتًا لرؤساء الدول المؤثرين، مما سيضع رئيس مجلس الوزراء العراقي في موقع بروتوكولي يعكس مكانة العراق الحالية في المنظومة العربية. يسعى العراق إلى لعب دور محوري في تحقيق التوازن الإقليمي والعربي من خلال هذه الاستضافة، إلا أن غياب وحدة القرار الداخلية والقيادة القوية القادرة على إلزام القرارات وتنفيذها يثير تساؤلات كبيرة حول قدرة بغداد على تحقيق هذا الطموح في ظل بحث الزعماء العرب عن شركاء أقوياء وموثوقين.
يمكن تفسير الاعتذارات الرسمية والمتتالية من قادة دول لها ثقل في المنطقة العربية بأنها تحمل رسالة ضمنية واضحة بضرورة حدوث تغيير جوهري في العراق، حيث قد لا ترى هذه القيادات أن الحكومة والأحزاب الحاكمة الحالية تمثل الطموحات العربية لمستقبل العراق وشعبه، وربما تنتظر رؤية إصلاحات حقيقية تعزز الشرعية والاستقرار قبل الانخراط على أعلى مستوى. يبقى الطموح لدى الشعب العراقي قائمًا في بناء دولة ذات سيادة ومستقرة ومزدهرة، إلا أن تحقيق هذا الطموح يتطلب معالجة جذرية للتحديات الهيكلية، وعلى رأسها تحقيق وحدة القرار وبناء مؤسسات قوية وفاعلة تحظى بثقة الشعب والمحيط الإقليمي.
في الختام، تبدو القمة العربية في بغداد، في ظل هذا الغياب القيادي الواسع، وكأنها تقام تحت مجهر عربي دقيق يرصد قدرة العراق على تجاوز أزماته الداخلية واستعادة دوره الإقليمي. إلا أن الرسالة الضمنية التي تحملها اعتذارات القادة العرب تشير إلى أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن بناء عراق قوي ومؤثر يتطلب قبل كل شيء قيادة موحدة وقرارًا سياديًا وإرادة حقيقية للتغيير والإصلاح. إن بغداد تستضيف قمة، لكن السؤال يبقى: مع من سيتحدث القادة الحاضرون، وهل ستتمكن دولة تبحث عن قيادة داخلية من لعب دور قيادي إقليمي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار