المسيرة الجهادية لمقارعة الطغيان: من بدر الكبرى في يوم الفرقان إلى بدر الأخرى في يمن الإيمان
✍ *عبد الإله عبد القادر الجنيد*
ستظلُّ رايةُ الحقِّ والهدى ترفرفُ عاليةً في عَنَانِ السماءِ، وعلى قممِ الجبالِ الشوامخِ، وفوقَ هاماتِ الأبطالِ الشرفاءِ.
إنَّها رايةُ الإسلامِ والحقِّ والهدى الغرَّاءُ الخفَّاقةُ في العُلَى، مُنذُ استخلفَ اللهُ آدمَ في الأرضِ، وكذلك ستبقى ما دامتِ الأرضُ والسماءُ.
تسلَّمَها آدمُ وتوارثَها من بعدِهِ الأنبياءُ والقادةُ الأعلامُ، وعُقِدَ لهمُ اللواءُ لمواجهةِ الباطلِ بكلِّ شموخٍ وإباءٍ. هنالكَ انقسمَ الناسُ إلى فَريقَينِ: فَريقٍ عَشِقَ الحقَّ والهدى فأسلمَ وجهَهُ للهِ الأعلَى، ودانَ لربِّهِ بالعبوديةِ والولاءِ بقيادةِ الأنبياءِ، وفَريقِ الباطلِ المُستَحِبِّ للكفرِ على الإيمانِ، واتِّباعِ خُطواتِ الشيطانِ، ودانَ للجبتِ والطاغوتِ بالعبوديةِ والولاءِ.
فاستمرَّ الصراعُ بينَ الفَريقَينِ على مَدَى القرونِ الماضيةِ، فأهلكَ اللهُ الظالمينَ بظلمِهم، وتلكَ عاقبةُ مَن كذَّبَ رُسلَ اللهِ وعصَى وتجبَّرَ على عبادِ اللهِ المُستضعَفينَ وطغَى، فأخذَهمُ اللهُ كما أخذَ فِرعونَ نَكالَ الآخرةِ والأولَى انتصارًا لأنبيائِهِ ورُسلِهِ، وأمدَّهُم بالآياتِ الكُبرَى. حتى شاءَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى خَتمَ النبوةِ بسيدِ المرسلينَ وخاتمِ النبيينَ، فكذَّبَتهُ قريشٌ كُفرًا باللهِ الواحدِ الأحدِ، وناصَبَتهُ العداءَ، وحاصرَتهُ في شِعبِ أبي طالبٍ ثلاثَ سِنينَ ظلمًا وعدوانًا في أقبَحِ جريمةٍ نَكِراءَ.
ولم يَلبَثْ أن هاجَرَ إلى المدينةِ المنورةِ، فعَمَدَتْ قريشٌ إلى إعدادِ العُدَّةِ لمؤامرةٍ أُريدَ مِن ورائِها اجتثاثُ شأفةِ المُسلمينَ في معركةِ بدرٍ الكُبرَى.
وفي يومِ الفرقانِ يومَ التَقَى الجَمعانِ، قَلَّلَ اللهُ المُلكَ الرحمنُ المؤمنينَ في أعينِ الكافرينَ؛ لِيَقضيَ أمرًا كانَ مَفعولًا.
وعلى الرغمِ من قِلَّةِ عددِ المُسلمينَ وضعفِ إمكاناتِهم الماديةِ والتسليحيةِ، كانتْ عنايةُ اللهِ بِعبادِهِ المُجاهدينَ في سبيلِهِ تُحيطُهُم بالرعايةِ والتأييدِ والتثبيتِ لِجُندِهِ بالملائكةِ، وألقَى في قلوبِ الذينَ كفروا الرُّعبَ، ونصرَ المُسلمينَ وهُم أذِلَّةٌ بضعفِ الإمكاناتِ وقِلَّةِ المؤمنينَ، وأحَقَّ الحقُّ بِكلماتِهِ (مُحمدٌ وعليٌّ وحمزةُ والحارثُ) في ملحمةٍ كُبرَى قائدُها الميدانيُّ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلمَ، واللهُ الواحدُ القهَّارُ قائدُها الأعلى.
وبوتيرةٍ عاليةٍ كانتِ المسيرةُ الجهاديةُ المقدسةُ تمضي على الإسلامِ والهدى والقرآنِ، وتزدادُ قوَّةً إلى قوَّتِها، وتُحقِّقُ الانتصاراتِ في المعاركِ بقيادةِ رسولِ اللهِ والذينَ معَهُ ورعايةِ اللهِ، حتى مَنَّ اللهُ عليهم بالفتحِ المُبينِ، وجاءَ نصرُ اللهِ والفتحُ، ودخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا.
هنالكَ حانَ موعدُ اللقاءِ ومغادرةُ رسولِ اللهِ للحياةِ الدنيا.
فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلمَ للمؤمنينَ ناصحًا ومُرشدًا ومُوجِّهًا كي لا يتفرَّقوا عنِ الحقِّ والهدى:
> «تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتم بهِ لن تضلُّوا من بعدي أبدًا: كتابَ اللهِ وعترتي؛ فإنَّ اللطيفَ الخبيرَ أخبرني أنَّهُما لن يفترقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوضَ، فانظُروا كيفَ تُخلفوني فيهما».
وسلَّمَ الرايةَ لأولئكَ الذينَ حَصَرَ ولايتَهُم لعبادِهِ الأنقياءِ، تنفيذًا لتوجيهاتِ اللهِ بقولِهِ سبحانَهُ وتعالَى:
> ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
ولم ينتقلْ سيدُنا رسولُ اللهِ إلى الرفيقِ الأعلى إلا وقد أقامَ للأمةِ من أقامَ اللهُ من بعدِهِ أعلامَ الهدى ومصابيحَ الدُّجَى مِن آلِ بيتِ نبيِّهِ، وارتضى لعبادِهِ الصالحينَ منهجَ القرآنِ الكريمِ والذكرِ الحكيمِ؛ الباقي ما بقيَ الدهرُ آياتٌ تُتلى، الذي أورثَهُ الأوصياءَ والأولياءَ لِيُبيِّنوا للناسِ آياتِهِ، فجعلَهُم للكتابِ الحكيمِ قرناءَ، تسلَّموا الرايةَ مِن رسولِ اللهِ وعُقِدَ لهمُ اللواءُ.
لا سِيَّما أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالَى الرحيمَ بِعبادِهِ أذهبَ عنهمُ الرجسَ وطهَّرَهُم تطهيرًا لِقيادةِ الأمةِ على منهجِ القرآنِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ انتصارًا للإسلامِ.
فكانوا أهْلًا لهذا الفضلِ الكريمِ الذي فيهِ رضوانُ اللهِ والفوزُ العظيمُ في الدارينِ: الآخرةِ والأولَى.
وما كادَ الإمامُ عليٌّ عليهِ السلامُ يتسلَّمِ الرايةَ مِن رسولِ اللهِ مِن بعدِ أن خصَّهُ اللهُ وذُرِّيَّتَهُ بالاصطفاءِ لهذا الدورِ والاجتباءِ، وقد عُقِدَ لهُ اللواءُ في غديرِ خُمٍّ، حتى انقلبَ عليهِ مَن بايَعوهُ على السمعِ والطاعةِ والتسليمِ والولاءِ، ورسولُ اللهِ بينَ ظَهرانيهم! لكنَّ ذلكَ الذي جرى لم يكنْ إلا نفاقًا ورِياءً، غيرَ أنَّهُ لم يأبهْ لخيانتِهم ومكرِهم، ومضَى بعزمٍ وتوكلٍ وإيمانٍ يُجاهدُ في اللهِ حقَّ الجهادِ، قيامًا بما يَتوجَّبُ عليهِ هاديًا ومرشدًا إلى صراطِ اللهِ المستقيمِ، كما يُحِبُّ اللهُ ويرضَى.
وأبلَى في سبيلِ اللهِ خيرَ البلاءِ، فما وَهَنَ وما ضعُفَ وما استكانَ لما أصابَهُ حتى أتاهُ اليقينُ، ونالَ الفوزَ فأحسنَ اللهُ لهُ الختامَ، وختمَ لهُ بالشهادةِ أعظمَ وسامٍ، وكما اختصَّهُ بإيتاءِ الزكاةِ راكعًا اختصَّهُ بنيلِ الشهادةِ ساجدًا.
ثمَّ حملَ الرايةَ مِن بعدِهِ الإمامُ الحسنُ سلامُ اللهِ عليهِ، وقادَ المسيرةَ الجهاديةَ بكلِّ إخلاصٍ للهِ وإيمانٍ.
فلما رأى خذلانَ الناصرِ وتفرُّقَ الأمةِ عنِ الحقِّ بهرولتِها نحوَ الدنيا، وما آلت إليهِ المواجهةُ مع قوى الباطلِ والطغيانِ، وانتهى الأمرُ إلى صُلحٍ يعودُ مِن بعدِهِ أمرُ الأمةِ إليها، توجَّه إلى الأمةِ مُرشدًا ومُعلِّمًا وهاديًا، مُلمِّلًا لِجراحاتِ الأمةِ والتشرذُمِ والانقسامِ.
حتى بادَرَهُ أولياءُ الشيطانِ بالغدرِ والخيانةِ والقتلِ غيلةً، بدسِّ السمِّ في طعامِهِ في أبشعِ مؤامرةٍ ارتكبَها اللئامُ، فارتقى على إثرِ ذلكَ إلى علياءِ اللهِ شهيدًا خالدًا في السعادةِ الأبديةِ والرضوانِ.
فلما نقضَ طواغيتُ الباطلِ والبغيِ والبهتانِ ما عاهدوا عليهِ الإمامَ الحسنَ، وتولَّى أمرَ الأمةِ مُجرمٌ قاتلٌ فاجرٌ سكرانٌ، خرجَ الإمامُ الحسينُ ثائرًا يستنهضُ الأمةَ، آمرًا بالمعروفِ وناهيًا عنِ المنكرِ، داعيًا أهلَ الإسلامِ والإيمانِ لمواجهةِ الطاغيةِ يزيدَ وباطلِهِ ومشروعِ الفسقِ والإجرامِ.
فخذلَتهُ الأمةُ أكبرَ وأفظعَ خذلانٍ، وتكالبَتْ عليهِ قوى الشرِّ والباطلِ.
وفي كربلاءَ سُفِكَتِ الدماءُ الزكيةُ لآلِ رسولِ اللهِ، ولم يَرعَ الطواغيتُ حرمةً لبناتِ رسولِ اللهِ ولا رحمةً لطفلٍ رضيعٍ، فقُتِلَ بدمٍ باردٍ، وسُبيَتِ النساءُ بكلِّ حقدٍ ولؤمٍ وبهتانٍ.
وبهذه الخاتمةِ العظيمةِ فازَ الحسينُ والذينَ معَهُ فوزًا عظيمًا، وانتصرَ الدمُ على السيفِ، وأضحَى الإمامُ الحسينُ ثورةً عارمةً في وجدانِ وواقعِ الأمةِ مدَى العصورِ والأزمانِ.
ثمَّ أعقبَهُ الإمامُ زيدُ بنُ عليٍّ بثورةٍ كانتِ البدايةَ لنهايةِ قوى الطغيانِ والظلمِ والإجرامِ والتسلُّطِ والإفسادِ في الأرضِ، وأكملَ مسارَها الإمامُ يحيى بنُ زيدٍ، فتهاوى على إثرِ ذلكَ الطواغيتُ والأصنامُ.
وهنا شاءَتْ إرادةُ اللهِ أن يتوقَّفَ عطاءُ الفرعِ الحسينيِّ الشريفِ، ليحملَ الرايةَ ويستأنفَ المسارَ مِن بعدِهم الفرعُ الحسنِيُّ الشريفُ.
واستمرَّتِ العطاءاتُ والتضحياتُ وقَرابينُ الشهداءِ، وفي مُقدِّمِهم الإمامُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ النفسُ الزكيةُ، ومِن بعدِهِ أئمةٌ كرامٌ عِظامٌ أطهارٌ، حتى جاءَ وعدُ اللهِ مُجددًا ليحملَ الرايةَ الفرعُ الحسينيُّ الشريفُ بدءًا بالإمامِ الخمينيِّ رضوانُ اللهِ عليهِ، الذي عقدَ اللواءَ وسلَّمَ الرايةَ للسيدِ عباسِ المُوسويِّ، الذي فازَ بالشهادةِ.
وحملَها مِن بعدِهِ برعايةِ الإمامِ الخامنئيِّ دامَ ظلُّهُ: شهيدُ الإسلامِ والإنسانيةِ السيدُ حسنُ نصرُ اللهِ، والسيدُ هاشمُ صفيِّ الدينِ، فقادَ الأمةَ بحكمةٍ وإيمانٍ نحوَ النصرِ. وفي عهدٍ طُويتْ صفحةُ المذلَّةِ للأمةِ والهزائمِ والخسرانِ، وبدأَ عصرٌ جديدٌ وزمنُ النصرِ وتثبيتِ معادلاتِ توازُنِ الرَّدعِ، وتهشيمِ صورةِ الجيشِ الذي لا يُهزَمُ، حتى باتَ أُضحوكةً للرجالِ والغلمانِ.
فلما خَتَمَ اللهُ بالشهادةِ –التي هي غايةُ وأملُ القادةِ الأعلامِ– كانتْ إرادةُ اللهِ تمضي بحكمةٍ ربانيةٍ لا يُمكِنُ أن يتحكَّمَ فيها أحدٌ مِن خلقِ اللهِ مِنَ الإنسِ والجانِ.
حيثُ اقتضتِ الحكمةُ الإلهيةُ ما شاءَ وقَدَّرَ وأرادَ: أن يحملَ الرايةَ ويتسلَّمَ القيادةَ قائدٌ ربانيٌّ وعَلَمٌ مِن أعلامِ الفرعِ الحسنِيِّ الشريفِ.
فتسلَّمَها السيدُ القائدُ المنصورُ باللهِ عبدُ الملكِ بنُ بدرِ الدينِ الحوثيُّ حفظَهُ اللهُ مِن مكرِ ومكائدِ الشيطانِ، الذي ظلَّ يصنعُ –بعينِ اللهِ وتوفيقهِ ومددِهِ– إعدادًا لَهُ ليكونَ موسَى الزمانِ، ويتحقَّقَ على يديهِ الغرقَ والهلاكَ والخسفَ بِطواغيتِ الأرضِ وقوى الاستكبارِ والهيمنةِ والكفرِ والشرِّ والإجرامِ.
فانبرَى مُتوكِّلًا على اللهِ، مُستعينًا بهِ لِقيادةِ ملحمةِ ومعركةِ الجهادِ المقدسِ والفتحِ الموعودِ، وتحريرِ وتطهيرِ الأقصَى وفلسطينَ مِنَ اليهودِ والصهيونيةِ الماسونيةِ والنفاقِ، بكلِّ بأسٍ وثباتٍ وصمودٍ واقتدارٍ وعَنفوانٍ، ومُقارعةِ محورِ الكفرِ والنفاقِ بقيادةِ النمرودِ والفرعونِ وقارونَ وهامانَ والغربِ الكافرِ والأمريكانِ.
وفي الموعدِ الذي أرادَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى أن يُوافِقَ يومَ وتاريخَ معركةِ بدرٍ الكُبرَى في يومِ الفرقانِ بعدَ أكثرَ مِن ألفٍ وأربعمائةِ عامٍ، ها هي معركةُ بدرٍ الأُخرى في يمنِ الإيمانِ يبدأها الشيطانُ الأمريكيُّ بِأقبَحِ عدوانٍ، وستكونُ على يَدَيِ القائدِ السيدِ عبدِ الملكِ –عليهِ مِنَ اللهِ السلامُ والرضوانُ– نهايةُ الطاغوتِ الأمريكيِّ وزوالُ الكيانِ الغاصبِ وحِلفِ النفاقِ وقَرنِ الشيطانِ.
ويملأُها قِسطًا وعدلًا كما مُلِئَتْ ظلمًا وجورًا، بإذنِ اللهِ القهَّارِ القادرِ ذي الجلالِ والإكرامِ.
*وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهُ أَكْبَرُ
الْمَوْتُ لِأَمْرِيكَا
الْمَوْتُ لِإِسْرَائِيلَ
اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ
النَّصْرُ لِلْإِسْلَامِ
زر الذهاب إلى الأعلى