عبد الكريم قاسم
و عبد اللطيف رشيد ..
اثنان في الميزان
أ.د.ضياء واجد المهندس
يقول احد جنود الحسابات العسكرية :
عام 1989 بمناسبة عيد الجيش العراقي في السادس من كانون الثاني عام ١٩٨٩ كانت وحدتي // شعبة من شعب الحسابات العسكرية // قد اشتركت في معرض جداري أقامته مديرية الحسابات العسكرية بالمناسبة المذكورة ،،
ومن باب غريزة التنافس للفوز بجوائز المعرض ،، ولضيق الوقت
،، أقترحنا نحن بعض الجنود الخريجين على مدير شعبتنا ،، العميد ( خ . ي ) ،،
أن نشارك بعمل واحد ،، نستطيع أن نوظف كل إمكانياتنا ومواهبنا لإخراجه فنيا ،، خاصة وأنه سيلفت اهتمام الحضور ، وسيشكل كما ( نعتقد اعتقادا اقرب لليقين ) فعل الصدمة للزوار الكبار والصغار ،، هذا ما كنا نحاول به إقناع مدير الشعبة …
وقبل أن يسأل عن نوع ( المشاركة الصدمة ) استدركت بالقول بهدوء ينتظر إعصارا لا محال :
سيدي سنشارك بعرض أوراق ملف أل ( 750 فلسا ) التي كانت بذمة ( عبد الكريم قاسم ) من أول مطالبة بالمبلغ من قبل وحدتنا لحين إصدار قرار إطفائه ،،، بأمر رئاسي …
وسنعيد كتابة الأوراق ونبرزها بشكل فني وسوف ( وقبل أن أتم الجملة )
صاح بصوت :
وراح ( يشعلون جد جدي ) ،، ( ولكم آني مسيحي ) قابل ( آني تكريتي ( وضلعي يتحمل ) ولكم والمسيح ( يصلبوني ) ،، ( إنتو شتريدون تهجمون بيتي…
وكلما هممنا للتبرير يقاطعنا ذلك المحترم بالقول:
( هي هي ، تريدون أگلهم شوفوا عبدا لكريم شلون كان خوش إنسان أمين وأنتم حرامية ،،
يلله ماكو مشاركة ،،
أرسلوا للحسابات اعتذار لضيق الوقت ،،
إلا أنه وفي اليوم التالي أرسل الينا الموافقة على الاشتراك بالعمل الذي اقترحناه ،، ليس شجاعة أو اقتناعا بفكرتنا ،، بل كما عرفنا فيما بعد منه ( لإزعاج مدير الحسابات و أغاضة المسؤولين في المديرية ،، الذين كانوا سببا وراء حرمانه من الترفيع إلى رتبة لواء ) ،،،
مقترحا علينا ؛
أن نحجز مكانا في الجدار يكون بـ (وجه) الضيوف الزوار ،،
ولا نعلق جداريتنا إلا قبل الافتتاح بعشر دقائق ..
أنجزنا كل شيء ،، وبدأت كل وحدة حسابية ،، تخرج ما في جودها ،، تشرح متباهية في ما لديها ،،
ونحن الجنود ذوي ( الهندام المكوي ) والأحذية الخفيفة اللماعة ،، كالطواويس نقف أمام لوحاتنا ،، كالتماثيل منتصبين
على أن المفاجئة الكبرى التي لم تدور في تفكيرنا قط ،،حدثت ،،
إذا بوزير الدفاع (عدنان خير الله )يدخل قاعة المعرض ،،
فتزاحفنا أنا وزملائي لتغطية اللوحة ،
يبدو أن حركتنا لفتت انتباه الوزير
،،فتقدم بهدوء صوب الجدارية ،،
وكنا قد كتبنا بوسطها وبالخط العريض الكبير الأحمر الفسفوري ( 750 فلسا بذمة وزير الدفاع العراقي)
وراح ( عدنان خير الله ) يطيل التفحص والتدقيق في القراءة ،، مرة بعد الأخرى ،، ملتفتا إلى مدير وحدتنا ،، طالبا منه الإيضاح ،،
قال العميد ( خ . ي ) وهو بحالة ارتباك مشوبة بالقلق والخوف :
عندما مات عبد الكريم قاسم ،، في 9/2/1963 قبل الظهر ،،
حسب أوامر القسم الثاني لثكنة الشؤون الإدارية لوزارة الدفاع ،، ليوم 12/2/1963..
كان من الطبيعي أن يحتسب راتب المتوفى لمدة ثمانية أيام ،، لكون وفاته حدثت قبل الظهر ،،
وتم على أساس ذلك احتساب راتبه وتم استحصال الديون
التي بذمته وكما مبين في الاوراق والتي هي عبارة عن ،، إيجار مسكن ،، أجور كهرباء ،، أجور ماء ،، توقيفات تقاعدية
،، ما تبقى من دينه لحوانيت الجيش،، جمعية بناء ومساكن الضباط …
ما عدا مابذمة المتوفي (عبد الكريم قاسم ) بمبلغ 750 فلسا كانت لصالح مديرية البريد والبرق والهاتف عن مكالماته الشخصية في وزارة الدفاع وفي منزله الشخصي ،،،
وبما أن ما يستحقه من راتب لايكفي لسداد المبلغ سجلته دائرتنا في حينه دينا بذمة المتوفي
،، وقد طلبت شعبتنا في حينه من مراجعها العليا إطفاء المبلغ لكون المبلغ بذمة متوفي ،، ولا يمكن إستحصاله إلا أن مراجعنا ليست لها صلاحية الاطفاء ،،
فرفع الأمر إلى القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية ( عبد السلام عارف ) لغرض إصدار قرار بإطفاء المبلغ ،،وظل طلبنا مركونا ( تحت اليد ) في دولاب ( عبد السلام عارف) ومن ثم في دولاب(عبد الرحمن عارف ) دون البت بالقرار الذي كنا مواظبين على التأكيد عليه تلو التأكيد لغرض الإجابة ،،
وقد كانت شعبتنا ترسل موازنتها المالية ،، مع إشارة ( ديون مشكوك في تحصيلها تنتظر الاطفاء ) لغرض مطابقة الميزانية.
،، على أنه في شباط عام 1969 صدر قرار رئاسي بإطفاء المبلغ وإعتباره من الديون المعدومة ..
صمت ( عدنان خيرالله ) قليلا وأسهب في التأمل على الجدارية ،، مرة أخرى لكنها كانت طويلة،، قال ( ألله يرحمه ،، الله يرحمنا )
وقبل أن يطلب من مدير الحسابات العام ومن مدير مكتبه ،، إرسال هذه الجدارية مع أوراقها الأصلية الى المتحف العسكري ،، قال :
لماذا كتبتم 750 فلسا بذمة وزير الدفاع ولم تكتبوا بذمة رئيس الوزراء عبد الكريم؟
،،، أجبته : سيدي
؛ أن عبد الكريم قاسم كان راتبه عن منصبه في وزارة الدفاع ،، ولم يكن يتقاضى أي مرتب أو أجر أو مكافأة موثقة لدينا عن رئاسته للوزراء …
أبتسم الوزير ،، وألتفت الى مديرنا قائلا له ،، شكرا ،، إمنحهم ( مؤشرا بعصاه علينا ) إجازة لمدة عشرة أيام ،، مكافئة لهم ،، وخرج من القاعة ،، دون أن يستكمل زيارته للمعرض ….
اقول هل توجد هذه الايام نزاهه مثل نزاهة عبد الكريم قاسم رحمه الله !!!!
في عراق اليوم ، رئيس الجمهورية يقوم بزيادة راتبه الاسمي من 20مليون إلى 27.5مليون دينار شهريا غير مليارات الدنانير كمخصصات اجتماعية و 150مليوندينار شهريا لشراء بانزين لسيارته
..لنا ولكم الله يا عراقيين ..يا طيبين ..يا نايمين..