المقالات

السيد حسن نصر الله .. قاموس الشهادة

السيد حسن نصر الله ..
قاموس الشهادة

ا.د.ضياء واجد المهندس

جاء في كتب اللغة: الشهيد: الحَاضرُ. وكُلُّ مَا كان شَهِد اللَّهُ فإِنه بِمعنى عَلِمَ اللَّهُ، وقَوْم شُهُود أَي حُضور، واسْتُشْهِدَ: قُتِلَ شهِيدا. والشَّهِيدُ: الحيُّ.. والشَّهِيدُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ، وَقِيلَ: الشهيدُ الَّذِي لَا يَغيب عَنْ عِلْمه شَيْءٌ. (لسان العرب (3/ 238- 243) ، وعليه
يكون معنى الشهيد: صفة تفيد الحضور والعلم والحياة.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي أن الشهيد حضر موقفا حقا بنفسه وذاته، وخبره بما فيه، وكان له فيه موقف صادق، حيث كان حضوره بنفسه وربما ماله، وهو في هذا كله قد ضحى بأعزّ ما يملك. و
الشهيد هو الذي يقتل لتكون كلمة الله هي العليا، مقبلا غير مدبر، مبتغيا بذلك وجه الله تعالى.. روى عَن أَبِي مُوسى قال: جَاء رَجلٌ إلى النّبيّ (صلَّى اللهُ عَليْهِ وآله وسَلَّم)، فَقالَ الرّجلُ: يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ” مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”. وهذا لا يغسل ولا يصلى عليه .
وللشهيد في الإسلام منزلة عظيمة؛ وكيف لا وقد تمنى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يموت شهيدا في سبيل الله، روى عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و آله وَسَلَّمَ) قَالَ: “انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل».

والحق أن الشهيد لما كان قد قدّم روحه لله ولدينه، وكان ذلك بمحض إرادته، حيث تنازل طوعا عن حضور هذه الحياة الدنيا، فقد أعطاه الشرع هذا الاسم الجميل (الشهيد) عوضا له عن الدنيا، فاستحق بذلك أمورا:
أن يلقب بلقب (الشهيد)، وهو من أسماء الله تعالى: { وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [المائدة: 117].
النهي عن وصفه بالموت: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ } [البقرة: 154].
الحياة الحقيقية عند الله، بما فيها من الرزق والفرح والاستبشار، كما في قوله تعالى: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران: 169-170]. (عند ربهم)، فهذه العندية تكفي. (يرزقون .. فرحين.. يستبشرون) والرزق والفرح والاستبشار من للوازم الحياة، وهذا يعني التجدد والاستمرار والبقاء.

ومن يقرأ القرآن الكريم يجد أن مادة (شهد) تكررت عشرات المرات بمعان مختلفة ومتعددة، ومن أبرز ما جاءت به فيما نتحدث عنه ما يلي:
(شهيد) جاءت 35 مرة، ليس فيها مرة واحدة تعني من قتل في سبيل الله.
(شهادة) 20 مرة ليس فيها مرة واحدة تعني القتل في سبيل الله.
(الشهداء) جاءت نحو 20 مرة وأيضا لا تختص بمن قتل في سبيل الله. بل تأتي على هذا النحو: لمن قتل في سبيل الله وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى: { وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ } [آل عمران: 140]، وقوله سبحانه: { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ } [الحديد: 19]، فهذا يتعلق بـ(موتى) المعارك (الشهداء) في سبيل الله. وجاءت وصفا للأمة كلها، كما في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } [البقرة: 143]؛ فهذه لا تصلح للشهداء فقط وإنما هي للأمة كل الأمة.
حضور موقف ما أو حادثة بعينها، كما في قوله تعالى: { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي } [البقرة: 133].
مدلين بالشهادة عدلا وابتغاء مرضات الله، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } [النساء: 135].
على علم وخبرة بحقيقة الأمر، كما في قوله تعالى: { بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } [المائدة: 44].
مدلين بشهادتهم بأن أنبياء الله بلغوا الرسالة، كما في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143].

لقد أيقنت بعد بحثي عن الشهادة في الاسلام أن السيد الشهيد حسن نصر الله هو معناها و قاموسها وامتداد لمفاهيم رسالة الايمان التي تمتد إلى رسول الرحمة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) و إلى امام المتقين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) و سيد الشهداء ( ابو عبدالله الحسين )(عليه السلام ).
و
لأن ( سيد شهداء المقاومة ) حي فكأن أرواح الانبياء و الأولياء حاضرة في تشيعه .
ولأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، فإن الأولياء والصديقين يشهدون عند خروج روحه وما أعد لها من الكرامة و بالأمان من النار.
و لأن( ناصر المستضعفين المقاومين) من رجال الله فلن
يشهده عند موته و تشيعه إلا ملائكة الرحمة والمؤمنين.
ولأن (سيد الجهاد والمقاومة ) قتل عدونا و ظلما ،فان السيد يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل مثلما الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة ، والأنبياء تشهد له بحسن الاتباع ..
في تشيعه، الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه قبل أبناءه و انصاره.
لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة.
سلاما يا قاموس الشهادة و نبراس الحق و نقاء العبادة ..
سلاما يا سيد شهداء المقاومة وانت ترتقي إلى رب غفور رحيم ..

البروفسور د.ضياء واجد المهندس
مجلس الخبراء العراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار