لشروط الخمسة عشر وإعادة تشكيل الشرق الأوسط: قراءة في منطق الهيمنة والصراع على السيادة
محمد علي اللوزي
يمثل المشهد الجيوسياسي الراهن في المنطقة ذروة صراع معقد تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع الأبعاد التاريخيةوالاقتصاديةوالأيديولوجية. فـالشروط الخمسة عشرالتي ططرحت في سياق الضغوط الأمريكية على إيران لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد مطالب تفاوضية تقليدية، بل كإطار شامل لإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط بما يضمن استمرار التفوق الغربي وهيمنة حلفائه. إن هذه الشروط تعكس تصورا استراتيجيا يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية ترى في الاستقلال السياسي والاقتصادي لدول المنطقة تهديدا لمعادلات النفوذ التي تأسست منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إذ تبدو العلاقة بين القوى الكبرى والدول الخارجة عن نطاق نفوذها محكومة بمنطق العقاب الجيوسياسي فمنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، تم التعامل مع إيران باعتبارها حالة تمرد على النظام الدولي الذي صاغته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. هذا التمرد لم يكن سياسيافخسب، بل مس بنية المصالح الاقتصادية المرتبطة بالطاقة وأسواق السلاح والتحالفات الأمنية. لذلك يفهم الإصرار على إخضاع إيران باعتباره محاولة لإعادة إدماجها في منظومة تبعية مشابهة لما كان سائدافي مرحلة ما قبل تأميم النفط خلال عهد رئيس الوزراء محمد مصدق، أو خلال فترة حكم الشاه التي اتسمت بتكامل عميق مع الاستراتيجية الغربية في المنطقة. إن الإشكالية بالنسبة للغرب لا تكمن فقط في سياسات إيران الحالية، بل في تقديمها نموذجا لدولة إقليمية تسعى إلى بناء قاعدة صناعية وعسكرية مستقلة نسبيا، وهو نموذح قد يشجع دولاأخرى على انتهاج مسار مشابه.كما تشيرالمطالب المتعلقة بالبرنامج الصاروخي والطائرات المسيرة إلى محاولة إحداث تجريد استراتيجي شامل يقلص قدرة إيران على الردع لدرحة استلابها مقدراتها زالاستسلام الكامل . فالقدرات الصاروخية تمثل أحد أهم عناصر التوازن في بيئة إقليمية تتفوق فيها إسرائيل عسكرياوتتمتع بدعم أمريكي واسع. ومن هذا المنظور، فإن تقليص هذه القدرات قد يغيّر معادلة الردع ويجعل المجال الجغرافي الإيراني أكثر عرضة للضغط العسكري. كما أن المطالبة بتقليص العلاقات مع خلفاء إقليميين في لبنان وفلسطين والعراق واليمن تفهم في سياق تقليص ما يُعرف بالعمق الاستراتيجي، وهو مفهوم يرتبط بقدرة الدولة على توسيع نطاق تأثيرها بما يحول دون حصر الصراع داخل حدودها المباشرة. إن الهدف الاستراتيجي هنا يتمثل في تحويل إيران إلى دولة محاصرة جغرافيا وسياسيا، بما يسهل احتواء دورها الإقليمي.علاوة على ذلك تتجاوز الضغوط المفروضة إطار العقوبات التقليدية لتلامس بنية النظام المالي العالمي. فالتحكم في حركة التحويلات المالية والتجارة الدولية يتيح للقوى الكبرى التأثير في السياسات الاقتصادية للدول الأخرى. وبالنسبة لإيران، التي تمتلك اختياطيات كبيرة من النفط والغاز، فإن إدماجها في منظومة مالية خاضعة لرقابة غربية قد يعني الحد من قدرتها على توظيف مواردها في بناء شراكات اقتصادية بديلة مع قوى صاعدة كالصين وروسيا، أو في الانضمام إلى تكتلات اقتصادية مثل مجموعة (بريكس). ومن هذا المنظور، يصبح الاقتصاد أداة ضغط استراتيجية تهدف إلى إعادة توجيه تدفقات الطاقة بما يخدم توازنات السوق التي ريدها القوى الغربية.
أما البعد الأيديولوجي، فيعد من أكثر عناصر الصراع تعقيدا، إذ يتداخل فيه الإعلام والسياسة والدين. فقد ساهمت الاستقطابات الطائفية في تحويل بوصلة العديد من المجتمعات من صراعات تتعلق بالتحرر والسيادة إلى صراغات هوية داخلية. هذا التحول يضعف القدرة على تشكيل مواقف إقليمية موحدة، ويخلق بيئة قابلة للاختراق السياسي والإعلامي. وعندما تقدم التخالفات السياسية بلباس ديني، يصبح من السهل تبرير سياسات قد تفسر في سياق آخر باعتبارها تنازلات استراتيجية. إن توظيف الخطاب الديني في الصراعات الجيوسياسية يعكس إدراكا لأهمية العامل الثقافي في تشكيل الرأي العام وتوجيهه.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم الحديث عن تحالفات تسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يضمن بقاءه ضمن دائرة النفوذ الغربي. فالهدف لا يتمثل فقط في تعديل سلوك دولة بعينها، بل في تثبيت نمط من السيادة المحدودة، حيث تحتفظ الدول بمظاهر الاستقلال الشكلي، بينما تبقى قراراتها الاستراتيجية مرتبطة بمراكز القوة الدولية لتتحول الى دولة فاقدة السيادة والاستقلال. إن إضعاف أي قوة إقليمية قادرة على التأثير المستقل قد ينعكس على قضايا أخرى في المنطقة، مثل مستقبل القضية الفلسطينية أو التوازنات في العراق وسوريا والخليج.
خلاصة القول إن الجدل حول الشروط الخمسة عشر يتجاوز حدود الخلاف السياسي بين واشنطن وطهران، ليعكس صراعاأوسع حول مفهوم السيادة في النظام الدولي المعاصر. فالدول التي تسعى إلى امتلاك قرارها السياسي والاقتصادي تجد نفسها أمام شبكة معقدة من الضغوط العسكرية والاقتصادية والإعلامية. وفي المقابل، ترى القوى الكبرى أن الحفاظ على توازنات القوة يتطلب منع طهور مراكز نفوذ منافسة في مناطق استراتيجية. وبين هذين المنظورين يستمر الجدل حول شكل النظام الإقليمي القادم، وما إذا كان سيتجه نحو تعددية قطبية تتيح هامشا أوسع للاستقلال، أم سيبقى محكوما بمنطق الهيمنة الذي طبع العلاقات الدولية لعقود طويلة.
ضمن هذا المنظور يمكن القول: ان سقوط أو هزيمة إيران كقوة إقليمية لن يكون مجرد تغيير في نظام سياسي، بل سيمثل زلزالا جيوسياسيايقلب موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم. من هنا نرى الى السيناريوهات السياسية والعسكرية والجغرافية التي ستلي هذا الحدث يتمثل في التالي:
تحويل مخطط إسرائيل الكبرى من الحلم إلى التطبيق أذتغتبر إسرائيل أن إيران هي العقبة الكأداء والعائق الوحيد أمام هيمنتها المطلقة. باعتبار ان هزيمة إيران تعني:
تصفية القضية الفلسطينيةففي غياب الدعم العسكري واللوجستي، ستجد حركات المقاومة نفسها معزولة تماما، مما يسهل على إسرائيل فرض حلول أحادية الضم الكامل للضفة، تهجير ناعم، وإنهاء حلم الدولة الفلسطينية.
الهيمنة الأمنية الناتو الإقليمي كما ستتخول إسرائيل من كيان محاصر إلى مركز قيادة أمني للمنطقة، حيث ستصبح هي المظلة الأمنية للدول العربية التي تخشى الفراغ، مما يحقق مفهوم إسرائيل الكبرىسياسيا واقتصادياحتى دون توسع جغرافي حدودي مباشر في المرحلة الأولى.
ثم ان المتغيرات العسكرية والجغرافية تتمثل في انهيار محور المقاومة. كماسيواجه حزب الله ضغوطا وجودية لترسانته العسكرية، وقد تدخل سوريا في موجة جديدة من التقسيم أو التبعية الكاملة للإرادة الhs هيو اmريكية .ويبقى المتغير الاقتصادي طريق الحرير مقابل الممر الهندي.أذ ان هزيمة إيران تعني ضربة قاصمة للمشاريع الصينية والروسية في المنطقة. حيث سيتم تعطيل ممرات التجارة التي تمر عبر إيران، لصالح الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي يمر عبر حلفاء أمريكا وإسرائيل.
كما سيخضع الغاز والنفط الإيراني لسيطرة شركات كبرى أو وصاية دولية، مما يضمن تدفق الطاقة للغرب بأسعار تفضيلية ويحرم القوى الناشئة من حليف طاقوي استراتيجي.
وفي هذا المنخى ستبرز قوى من ذات الاتجاه الاسلاموي التبريري عبر مثقفيه المرتهنين ليطرخوا
نغمة الواقعية السياسية التي تعني بالضرورة الاستسلام للأمر الواقع. سيتم تهميش أي خطاب يتحدث عن السيادة أو مقاومة الهيمنة، وتتحول المنطقة إلى سوق استهلاكي ضخم فاقد للإرادة السياسية.وسيعلو الخطاب الديني من خلال توظيفه بفتاوي علماء السلاطين وخلاصتها اسمعوا واطيغوا ولي الامر مهما كان ارتهانه وأن سلب مالك وحلد ظهرك وستتحول دول البترو دولار الى لعبة قذرة في يد الحلف الابستيني لمواحهة اي قوى مقاومة في المستقبل وتلواقع اننا قد نشهد
صعودا للحركات المتطرفة مجددا نتيجة الفراغ والشعور بالهزيمة لدى الشعوب، مما يدخل المنطقة في دورة جديدة من الفوضى المقدورة التي تخدم استمرار التدخل الخارجي.
ان علينا ان ندرك بأن إيران تمثل أحد خوازيق النظام العالمي أحادي القطبية. هزيمتها تعني إرسال رسالة شديدة اللهجة للصين وروسيا بأن أي محاولة لبناء أقطاب إقليمية مستقلة ستواجه بمصير مشابه، مما يعزز الهيمنة الأمريكية لعدة عقود إضافية.
وهنا يكمن الارتهان الكامل، فهزيمة إيران لن تجلب الاستقرار للمنطقة كما يروج البعض، بل ستجلب سلام القوة والاستلاب سلام الهيمتة ونهب ثروت الشعوب الذي ستفرضه إسرائيل وواشنطن سلام الهزيمة التي لن يفوم بعدها العرب دهرا طويلا، حيث تصبح دول المنطقة مجرد وحدات إدارية لتأمين المصالح الكبرى، وتضيع السيادة الوطنية لصالح مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تكون فيه إسرائيل هي القلب النابض والآمر الناهي. ونسأل الله حين الختام
زر الذهاب إلى الأعلى