الرئيسيةعربي ودولي

بين وداع الموسم وبقاء المنهج: “حين يرحل رمضان… ويبقى العهد”

بين وداع الموسم وبقاء المنهج: “حين يرحل رمضان… ويبقى العهد”

أ.محمد البحر المحضار …

تمرّ الأيام مسرعة، وتُطوى صفحة من أنقى صفحات العام؛ صفحةٌ كُتبت بنور الطاعة، وخُتمت بدموع الرجاء، إنها صفحة شهر رمضان المبارك.
ومع انبلاج فجر عيد الفطر، لا نقف عند حدود الوداع، بل نتأمل بوعيٍ أعمق: ماذا بقي فينا بعد أن رحل الشهر؟ وما الذي ينبغي أن يستمر بعد أن انقضى الموسم؟

المحطة التي تنتهي… والمنهج الذي لا ينتهي:
إن من أدقّ ما ينبغي إدراكه في هذه اللحظة هو أن الذي انقضى هو شهرٌ من شهور الله، لا دين الله.
قال تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
وهذه الآية تختصر الحقيقة كلّها: العبادة ليست موسماً مؤقتاً، بل عهدٌ ممتدّ ما دامت الحياة.

رمضان لم يكن يوماً قيداً ننتظر فكّه، ولا عبئاً نترقب انقضاءه، بل كان محطة تزود، ومدرسة إعداد، وفرصة إعادة ضبط.
فيه تعلّم القلب كيف يخشع، وتدرّبت النفس كيف تصبر، واعتادت الجوارح كيف تنضبط. فهل يُعقل أن نخرج من هذه المدرسة ثم نعود إلى الأمية الروحية؟!

فقد روي عن سيظنا رسول صلوات الله عليه وعلى آله
“أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ”
وفي هذا توجيه بليغ: ليست العبرة بكثرة العمل في موسم، بل بثباته واستمراره بعده.

العيد… يوم الجوائز لا يوم الانفلات
حين يهلّ العيد، لا نخرج من عباءة الطاعة، بل ندخل في ساحة التكريم.
هو يوم الجوائز، يوم تُمنح فيه ثمار الصبر، وتُعلن فيه نتائج المجاهدة.

وروي عن سيدنا امير المؤمنين الإمام علي عليه السلام:
“إنما هو عيدٌ لمن قَبِل الله صيامه، وشكر قيامه”

فالعيد ليس إذناً بالانفلات، بل إعلانٌ بأن الرحلة أثمرت، وأن الجهد لم يذهب سدى.
نفرح، نعم… نلبس الجديد، نعم… لكن الأجمل أن نحافظ على القلب الجديد الذي وُلد في رمضان.

بين حالين… وتأمل صادق:
لقد أصبحنا – وللأسف – بين حالين متناقضين:

من يتعامل مع خروج رمضان وكأنه خروجٌ من الدين، فينقلب فجأة من الطاعة إلى الغفلة.

ومن يتراجع تدريجياً، لكن بسرعة تُفقده ما بناه، حتى يعود إلى سابق عهده أو أشد.

وهنا ينبغي أن نكون صرحاء مع أنفسنا:
نحن جميعاً مقصرون، ولسنا معصومين، والذنب وارد، والخطأ حاصل.
لكن الخطورة ليست في الوقوع، بل في الاستسلام بعد الوقوع.

وقد روي عن سيدي الإمام الصادق عليه السلام:
“كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً”

وهذا نداءٌ راقٍ: أن يكون سلوكنا بعد رمضان امتداداً لنوره، لا إساءةً لمدرسته.

رسالة تخاطب للروح:
إن الذي كان يُطاع في رمضان، هو الرب الذي يُعبد في كل زمان.
وإن الذي استمع لنداء الفجر، قادرٌ أن يستمر.
وإن الذي ذاق حلاوة القرب، لا ينبغي له أن يعود طوعاً إلى مرارة البعد.

قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا…﴾
فالاستقامة بعد الإيمان، وبعد المواسم، هي معيار القبول، وعنوان الصدق.

العهد الذي لا ينبغي أن يُنقض
فلنجعل من العيد بداية، لا نهاية…
ومن رمضان نقطة انطلاق، لا محطة توقف…
ولنأخذ معنا من هذا الشهر:
خشوعه، وصبره، ونقاءه، وسخاءه… إلى سائر أيامنا.

ليس المطلوب أن نكون كاملين، بل أن نكون مستمرين.
وليس المطلوب أن لا نخطئ، بل أن لا نبتعد.

ختاماً…
نودّع رمضان بقلوبٍ ممتنة، ونستقبل العيد بأرواحٍ واعية، ونعاهد الله أن يبقى فينا أثر ما عشنا، لا أن يذوب مع آخر ليلة.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وجعلنا وإياكم من الفائزين بجوائز العيد، لا من العائدين إلى الغفلة بعده.
وأعاده الله علينا وعليكم بالخير والصحة والعافية، ونحن أكثر ثباتاً، وأصدق عهداً، وأقرب إلى الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار