الرئيسيةعربي ودولي

ليلة القدر… ليلةُ التحوّل الإيماني وميلاد العزة في حياة الأمة

ليلة القدر… ليلةُ التحوّل الإيماني وميلاد العزة في حياة الأمة

القاضي/ حسين محمد المهدي

​﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
​على مر التاريخ ليالٍ كثيرة، لكنّ ليلةً واحدةً منها غيّرت مسار البشرية كلها، وفتحت للإنسان أبواب الهداية والرحمة؛ إنها ليلة القدر، الليلة التي أشرقت فيها الأرض بنور القرآن، وتنزّلت فيها الملائكة بالسكينة والبركات. وقد جعلها الله خيرًا من ألف شهر كما ورد في سورة القدر، لتكون هديةً ربانية لهذه الأمة، وفرصةً عظيمة لمغفرة الذنوب وبداية طريقٍ جديدٍ مع الله.
​فليلة القدر ليست مجرد ليلة عبادة عابرة، بل هي رسالةٌ إلهيةٌ متجددة تذكّر الأمة بأن سرّ نهضتها وقوتها يبدأ من القرآن الذي نزل في تلك الليلة المباركة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. إنها محطةٌ ربانيةٌ عظيمة تتنزّل فيها الرحمة، وتفيض فيها البركات، وتُفتح فيها أبواب المغفرة، تكريمًا لهذه الأمة، ورحمةً بها، وفرصةً متجددةً لنهضتها الروحية والإيمانية.
​لقد ارتبطت هذه الليلة العظيمة بأعظم حدث في تاريخ البشرية، وهو نزول القرآن الكريم؛ ذلك الكتاب الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأقام به حضارة العدل والرحمة والهداية: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى‏ صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
​ومن هنا، فإن عظمة ليلة القدر ليست في زمانها فحسب، بل في الرسالة التي تحملها؛ فهي ليلة الوحي، وليلة الهداية، وليلة تجديد الصلة بين الإنسان وربه. وفي هذه الليلة المباركة تتنزّل الملائكة وعلى رأسهم جبريل، حاملةً معها الرحمة والسكينة، حتى يعمّ السلام الأرض إلى مطلع الفجر، وكأن السماء تفتح أبوابها لعباد الله الصالحين، تدعوهم إلى التوبة والإنابة والعمل الصالح.
​ولذلك أرشد النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أمته إلى اغتنام هذه الليلة العظيمة، فقال: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه”، وقال: “التمسوها في العشر الأواخر من رمضان”، وفي رواية: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان”.
​إن ليلة القدر تُعلّم الأمة دروسًا عظيمة، لعل من أهمها أن التغيير الحقيقي يبدأ من الإيمان، وأن النهضة لا تُبنى بالسيوف وحدها، بل تُبنى أولًا بالقرآن، وبصلاح القلوب، وبإحياء الضمائر. كما تذكّر هذه الليلة المسلمين بقيمة الزمن في الإسلام؛ فليلةٌ واحدة قد تساوي عبادة ثلاثٍ وثمانين سنة، وفي ذلك دعوةٌ واضحة إلى استثمار العمر فيما ينفع، وعدم إضاعته في الغفلة والكسل.
​ومن دروس ليلة القدر أيضًا أن الأمة التي نزل عليها القرآن لا يجوز لها أن تعيش في حالة ضعفٍ أو تشتت؛ لأن القرآن الذي نزل في هذه الليلة صنع أمةً قادت العالم بالعدل والعلم والهداية، فكانت أمة الرسالة والشهادة على الناس. ولهذا نجد في يمن الإيمان والحكمة قائد مسيرة القرآن السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي يوجه خطاباً إلى الأمة الإسلامية ليلفت نظر الكافة إلى فضائل هذه الليلة والدروس المستفادة منها، اقتداءً بهدي النبي الأمين.
​ولهذا فإن اغتنام ليلة القدر لا يكون بالصلاة والدعاء فحسب، بل يكون أيضًا بتجديد العهد مع القرآن الكريم، والعودة إلى قيمه ومبادئه، والعمل على إصلاح النفس. فالأمة الإسلامية تمر بمنعرج خطير، فالصهيونية اليهودية تحاول طمس هوية الأمة الإسلامية وتعلن الحرب على إيران الإسلامية وتحتل الأقصى الشريف، والواجب على الأمة أن تجدد العهد مع القرآن الكريم حتى تتحول هذه الليلة من مجرد عبادة عابرة إلى مشروع دائم للنهضة والإصلاح، وأن يقتدي الزعماء بقائد المسيرة القرآنية في إرشاد الأمة الإسلامية إلى ما ينفعها وتحرير مقدساتها، حتى يُكتب لهم في هذه الليلة المغفرة والرحمة، لتكون بداية نهضة إيمانية صادقة، يلتقي فيها الإنسان المؤمن بربه بقلب خاشع.
​كما نتطلع إلى أن يحذو الزعماء والرؤساء حذو قائد المسيرة في تهنئة الشعب الإيراني المسلم باختيار قائدٍ تتمثل فيه قيم العزة والكرامة المشرقة بروح الجهاد والاجتهاد؛ فانتخاب قائد مجتهد كبير كالسيد مجتبى خامنئي يوجه صفعة كبيرة لطغاة العصر، وخيبة أمل كبرى لهم، كما صرح بذلك قائد المسيرة القرآنية.
​فطوبى لمن عرف ليلة القدر وأحياها إيماناً واحتساباً، متمسكاً بكتاب الله، لتتحول من مجرد لحظة زمنية إلى بداية عهد جديد يعيد للأمة روحها وعزتها، ويقربها لتحقيق رسالتها في هداية البشر وإقامة العدل في الأرض كلها. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار