وسارعوا
إبراهيم محمد الهمداني
إن من أعظم مظاهر رحمة الله – سبحانه وتعالى – بعباده، ومن أجل نعمه عليهم، أنه فتح لهم أبواب النجاة من النار، وبسط لهم أسباب رحمته ومغفرته، وأفسح أمامهم مضمار السباق إليه، ومد إليهم موائد فضله وفيوض كرمه، لكي يمنحهم الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فدعاهم ورغَّبهم إلى اغتنام موجبات رحمته، وحثهم على المسارعة والمبادرة والمسابقة، لما جعل فيه مغفرته ورضوانه، فقال وهو أصدق القائلين: “وسارعوا إلى مغفرة من ربكم”، يصرف بها عنكم عذاب النار، ويزيد على تلك المغفرة، “وجنة عرضها السماوات والأرض”، كمنحة ربانية إضافية، وجزاء إلهي عظيم، نظير المبادرة والمسارعة والاستجابة، ولو لم تكن غير “المغفرة” وحدها، جزاءً وثوابا من الله تعالى، نظير الاستجابة والمسارعة، لكانت كافية وافية غامرة، بما هي أمان من الله تعالى، ودفع عذاب النار عنهم؛ لكن الله سبحانه وتعالى، يزيد المسارعين من فضله وجوده، والله ذو الفضل العظيم، فيضيف إلى “المغفرة”، ثوابا إضافيا جزيلا عظيما “وجنة”، وهي بحد ذاتها الغاية الكبرى، “فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز”، وذلك هو الفوز العظيم، وزيادة في الترغيب، يرسم الله سبحانه وتعالى، الفضاء المكاني لهذه الجنة، “عرضها السماوات والأرض”، وهو فضاء مكاني أوسع وأكبر وأعظم، من أي فضاء مكاني، يطمع الإنسان إلى امتلاكه، حيث كان حكم وامتلاك الأرض – في حيزها الجغرافي المعلوم المحدود – هو آخر ما وصلت إليه طموحات الإنسان، وأقصى ما بلغته أمنياته وأحلامه، بينما هذه الأرض – التي تنتهي عندها طموحاته – ليست إلا أحد أبعاد/ حدود الجنة، التي يمتد عرضها من الأرض – كنقطة ثابتة ملموسة – إلى السماوات، كفضاء مكاني مفتوح إلى مالا نهاية؛ أي أنها مملكة واسعة مترامية الأطراف، تشغل فضاء مكانيا مفتوحا، وهو ما بشعل فضول الإنسان، ويحفزه على رفع سقف طموحاته وأحلامه، ليطمع في ذلك الفضاء الواسع، علاوة على كونها “جنة”، بما تحمله مدلولات الاسم، من مكونات ومقومات تلك “الجنة”، قياسا بما هي عليه صورتها في الواقع الدنيوي، ناهيك عن كونها فوق الخيال، وأعلى من التصور البشري، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
“أعدت للمتقين”؛ الذين جعلوا استجابتهم ومسارعتهم وقاية لأنفسهم، تقيهم من عذاب النار، وتبعدهم عن كل ما يقود إليها، ولذلك هم يسارعون إلى ولوج كل باب فتحه الله تعالى لهم، ويبادرون إلى كل عمل فيه لله تعالى رضى عنهم.
وقد تضمنت الآية الكريمة السابقة، ثلاثة مستويات بلاغية؛ أولهما: مستوى التحفيز؛ الماثل في مدلولات الأمر الإلهي “وسارعوا”، التي ترسم فضاء المسارعة ومضمار السباق، المفتوح زمانيا ومكانيا وحدثا، والمنفتح على الفاعل المتعدد، والدعوة العامة للجميع، خاصة وأن كل من سارع وبادر، فقد وصل وسبق وفاز، وليس كما هو الحال في المسابقات الدنيوية، حيث يغلق السابق ميدان الفوز على اللاحق، وفي احسن الأحوال، يكون الفائزون بعدد الأصابع، قد أغلقوا مجال التنافس بفوزهم، وأما ثانيهما: فهو مستوى الترغيب، الذي حملته كلمة “مغفرة”، بوصفها أولى الجوائز الموعودة، في جلال قيمتها، وقدسية مصدرها “من ربكم”، صاحب الحق في منح المغفرة، وهي على جلال قيمتها وعظيم أثرها، مبذولة لجميع المسارعين، دون استثناء، ودون أن تتدنى قيمتها الاعتبارية والأخروية، وثالثهما: مستوى التشويق، الذي يتجاوز عظمة وقيمة الجائزة الأولى، “مغفرة من ربكم”، إلى جلال وعظمة الجائزة الثانية، “وجنة عرضها السماوات والأرض”، وتلك هي أقصى غايات وطموحات المؤمنين المسارعين، الطامعين في الجائزة الكبرى، والفوز العظيم.
إن عطاء وفضل الله – سبحانه وتعالى – لم يتوقف على ما فتح لعباده، من أبواب رحمته، بل امتد ليصل إلى ما بسط لهم من موائد فضله العظيم، ونثر عليهم من فيوضات جوده، حيث جعل لهم أوقات وأيام ومواسم معينة، يضاعف فيها أجور أعمالهم، إلى سبعمائة ضعف وأكثر، “والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم”، ومن تلك المواسم العظيمة، شهر رمضان المبارك، حيث يعد “الإطعام” والإنفاق والصدقة وإفطار الصائم، وكل أبواب التكافل والتراحم، من أحب الأعمال والقربات إلى الله تعالى، وأدنى مستويات الإنفاق؛ شق تمرة أو شربة من لبن أو ماء.
ولذلك يمكن القول إن التبرع لمشاريع الإطعام والأضاحي، ومشروع السلة الغذائية الرمضانية، من أعظم القربات إلى الله تعالى، خاصة وأن مجتمعنا اليمني، يعاني وطأة الفقر والحاجة، والظروف المعيشية الصعبة جدا، التي تسبب بها العدوان والحصار الصهيوسعوأمريكي، وانقطاع المرتبات، ونهب الثروات السيادية، واستهداف الاقتصاد اليمني، في كل مرافقه وقطاعاته، وبناء التحتية والفوقية، الأمر الذي جعل معظم أبناء الشعب اليمني، يعيشون تحت مستوى خط الفقر، ولذلك – واستجابة للدعوة الإلهية – “وسارعوا”، وجب علينا جميعا المسارعة والمبادرة، إلى التبرع لمشاريع “إطعام” الفقراء والمساكين، الذين لا يسألون الناس إلحافا، وفي مقدمتها “مشروع السلة الغذائية الرمضانية”، الذي يستهدف أكثر من(41) ألف أسرة، ولا يستهين أحدٌ إنفاقه القليل، فهو يضاف إلى إنفاق غيره، ويصبح كثيرا نافعا، وأجره وثوابه عند الله – سبحانه وتعالى – جليل عظيم.
زر الذهاب إلى الأعلى