ليلةُ الطعنة… حين بكى المحرابُ واشتدَّ يتمُ الأمّة:
أ.محمد البحر المحضار …
في مثل هذه الليلة العظيمة الحزينة من ليالي شهر رمضان المبارك، ليلة التاسع عشر، إحدى ليالي القدر الثلاث عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تهتزُّ القلوب ويخيم الحزن على الأرواح، إذ نستحضر اللحظة التي سال فيها نور العدالة في محراب الكوفة، حين ضُرب أمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب، بسيف الغدر والظلم على يد أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم.
كانت ضربةً لم تصب رأس رجلٍ فحسب، بل أصابت قلب الأمة كلّها.
ضربةً سال معها تاريخٌ من العلم والعدل والزهد، وسقط معها في محراب الصلاة وصيُّ رسول الله، باب مدينة العلم، الإمام الذي تربّى في حضن النبوة إلى جوار النبي محمد بن عبد الله، فكان علمه امتداداً للرسالة، وعدله مرآةً للحق.
في تلك اللحظة، لم يكن محراب الكوفة وحده من بكى… بل بكت السماوات والأرض، وبكت القلوب التي عرفت معنى العدالة في حكم علي، والرحمة في قلب علي، والعلم في كلمات علي.
ومنذ تلك الضربة، دخل التاريخ في موسمٍ دائم من الحزن، لأن الأمة فقدت إماماً لم يكن مجرد حاكم، بل كان ميزان الحق، وروح الإسلام النابضة.
واليوم، ونحن نستعيد هذه الذكرى الموجعة، يزداد الألم حين نشعر أن صوت التعزية الذي كنا نستأنس به في هذه المصائب الكبرى غائبٌ عنا.
ذلك الصوت الذي كان يذكّرنا بالصبر والثبات، ويجدد فينا روح الولاء لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
إنه صوت حفيد علي في النهج والموقف، سماحة الإمام علي خامنئي، الذي طالما عزّى الأمة بجدّه أمير المؤمنين، وذكّرها بأن طريق علي هو طريق الكرامة والعزة والثبات.
ففي هذه الليلة، كأن الحزن يتضاعف:
نُعزّي أمير المؤمنين باستشهاده، ونُعزّي الإمام الخامنئي بجدّه الإمام علي، ونُعزّي أنفسنا أيضاً بغياب من كان يعزّينا في مصائب أهل البيت.
لكن عزاءنا الأكبر أن مدرسة علي لا تموت، وأن الدم الذي سقط في محراب الكوفة لم يكن نهايةً، بل كان بدايةً لطريقٍ طويل من الصبر والجهاد والوعي.
يا أمير المؤمنين…
يا شهيد المحراب…
نحيي ذكراك بالدمع، ونجدّد العهد على طريقك بالثبات.
ونقول كما قال التاريخ: إن علياً لم يمت، لأن العدل الذي زرعه في الأرض ما زال حيّاً في قلوب الأحرار.
سلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم ضُربت في محرابك، ويوم ارتقيت شهيداً، ويوم تُبعث حياً.
نسأل الله أن يجمعنا معك ومع الصالحين من ذريتك وأتباعك، وأن يربط على قلوب المؤمنين بالصبر، وأن يجمعنا وإمامنا معك في جنات النعيم.
زر الذهاب إلى الأعلى