الرئيسيةالمقالات

القرآن الكريم.. الدستور الإلهي من المنهجية التاريخية إلى الحقيقة العقلية

القرآن الكريم.. الدستور الإلهي من المنهجية التاريخية إلى الحقيقة العقلية

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

​تمثل العلاقة بين النص القرآني والعقل البشري جوهر التكليف ومنطلق الحساب والجزاء في الإسلام، إلا أن القراءة المتأنية لمسار الفكر الإسلامي تكشف عن تحول بنيوي خطير، حيث انتقل النص من كونه “بياناً للناس” بلسان عربي مبين إلى “امتياز لاهوتي” تحتكره نخب مفسرة، مما أوجد فجوة معرفية بين المسلم وكتابه، وأحل “ظنية النقل” محل “قطعية النص”. إن استرداد القرآن كوثيقة دستورية عليا تضبط حركة الإنسان وتنظم عمله اليومي هو الضرورة الحضارية القصوى اليوم، فالدستور الإلهي لم يأتِ ليكون لغزاً يحتاج لفك شفراته، بل أنزله الرحمن الرحيم واضحاً كوضوح الشمس، ليخاطب الفطرة الإنسانية في ثوابتها الكبرى كالعدالة والمساواة والأمانة وحرمة النفس البشرية.
​إن الاعتقاد بأن فهم القرآن محصور في كفاءات علمية أو نخب معينة يصطدم مباشرة مع مبدأ العدل الإلهي؛ فالله سبحانه الذي أوجب على نفسه الرحمة والبيان لا يمكن أن يتعالى على خلقه بألغاز ثم يحاسبهم على عدم إدراكها، بل إن العقل الذي وهبه الله للإنسان هو “مناط التكليف” وجهاز الاستقبال الوحيد للرسالة. ومن هنا، فإن “المواد الدستورية” في القرآن هي حق مشاع لكل ذي عقل سليم، وهي مواد ثابتة لا تقبل التأويل أو التغيير بتغير الزمان، تماماً كالمبادئ فوق الدستورية في القوانين الوضعية التي تحترمها الشعوب وتعمل بها دون الحاجة للإحاطة بكل دقائق التخصص القانوني.
​تكمن “المناقضة الكبيرة” التي يواجهها الفرد المعاصر في تقديم “العنعنة” التاريخية وتفسيرات المفسرين الأوائل على النص القرآني الماثل بين أيدينا والمدعوم بيقين الحفظ من التحريف. إن الركون إلى سلسلة الرواة (فلان عن فلان) وترك التدبر المباشر في الكتاب أدى إلى تسرل أهواء السلاطين ونفسيات المفسرين وانتماءاتهم المذهبية إلى صلب الفهم الديني، فأصبح النص يُقرأ بعيون الماضي وصراعاته السياسية لا بضياء الوحي ومقاصده الأخلاقية. كما أن ترجمة النص أو تفسيره بلغات وثقافات مغايرة أضافت طبقات من التأويل الذي لا يمثل بالضرورة مراد الله المطلق، بل يمثل قراءة بشرية نسبية مرتبطة بظرفها التاريخي والثقافي.
​إن سقوط الشعوب في آفة التطرف، أو جنوح البعض نحو الاستهزاء بالمنظومة الدينية، ليس إلا نتيجة طبيعية لـ “خصخصة النص” وتغييب المسؤولية الفردية للعقل أمام خالقه. فعندما تُصادر عقول الناس لصالح تفسيرات نخبوية مشوهة، يسهل حينها توظيف الدين في أجندات إقصائية بعيدة كل البعد عن روح التسامح والعدل. إن الشعوب التي تفتقد للقيم الأخلاقية والمواطنة الحقيقية هي شعوب تعيش في “جاهلية” معاصرة، وإن امتلكت أرقى وسائل التكنولوجيا، لأن التحضر في ميزان القرآن هو “العمل المتكامل” والمصداق الأخلاقي الذي يحترم كرامة الإنسان.
​في الختام، يظل القرآن الكريم عملاً “لا متناهياً” متجدداً بتجدد العقول، لا يحتاج لتطوير مبادئه بل لـ “تفعيل” إرادة العمل بها. إن النجاة في يوم الحساب مرهونة بمدى إخضاع الإنسان لعقله للمصداق الأخلاقي والعملي، بعيداً عن اتباع الشهوات النفسية أو الانقياد الأعمى لتفسيرات تاريخية قد لا تتوافق مع “روح العصر” ومتطلباته. إن استعادة القرآن كدستور أخلاقي وإنساني مباشر هو السبيل الوحيد لإعادة الهيبة للدين وتحقيق السلام المجتمعي، مؤكدين أن الله سيحاسب خلقه على ما في كتابه الواضح المبين، وعلى قدر ما وهبهم من عقول استخلفهم بها في عمارة الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار