الرئيسيةالمقالات

الطريق إلى كربلاء بداية مبكرة من إيران … بوصلة المواقف …

الطريق إلى كربلاء بداية مبكرة من إيران … بوصلة المواقف …

جليل هاشم البكاء

كل عام تمتلئ الطرق المؤدية إلى كربلاء بالملايين من الزائرين، وتسير المواكب الحسينية على امتداد الطريق لتقدم الماء والطعام والخدمة، في صورة إنسانية وإيمانية قلّ نظيرها في العالم. غير أن روح هذه المواكب لم تكن يوماً مجرد خدمة عابرة أو تقليد اجتماعي، بل هي امتداد حيّ لمدرسة التضحية التي جسدها الحسين بن علي يوم وقف في كربلاء ليقول إن الكرامة أثمن من الحياة نفسها.

اليوم، وفي زمن تتكاثر فيه الفتن والاعتداءات، تقف شعوب المنطقة أمام اختبار جديد لمعنى الانتماء لنهج كربلاء. وما يجري في إيران من صمود وثبات أمام التهديدات والضغوط يذكّر العالم بأن مدرسة كربلاء ليست ذكرى تاريخية، بل روحاً متجددة في الأمة. إن الطريق إلى كربلاء لا يبدأ من حدود العراق فقط، بل يبدأ من كل أرض يقف فيها إنسان رافضاً للظلم ومتمسكاً بكرامته.

لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الشعوب التي تتغذى على قيم عاشوراء لا يمكن أن تُكسر بسهولة. فكما هبّ العراقيون عندما صدرت الفتوى الكفائية من المرجع الأعلى علي السيستاني خلال أحداث حرب العراق ضد تنظيم داعش، فكانت لحظة تاريخية تجلّت فيها وحدة الشعب وإرادته، فإن روح تلك الفتوى لم تكن مجرد استجابة لظرف عسكري، بل إعلاناً بأن الدفاع عن الكرامة واجب عندما تُهدَّد الأوطان والمقدسات.

إن أصحاب المواكب الحسينية يدركون أكثر من غيرهم معنى التضحية والخدمة. فهم الذين يسهرون الليالي ويكدحون الشهور ليهيئوا طريق الزائرين، لا طلباً لسمعة ولا سعياً لمنصب، بل حباً لنهج الحسين. ولهذا فإن دورهم اليوم يمكن أن يتجاوز حدود الخدمة التقليدية، ليكونوا توأماً في ملحمة الصمود التي يعيشها الشعب الإيراني، عبر الكلمة الصادقة، والدعاء، والمواقف التي تعزز وحدة الشعوب في مواجهة الظلم.

إن الموكب الحسيني ليس خيمة طعام فقط، بل منبر وعي. ومن هذا المنبر يمكن أن تخرج رسالة واضحة تقول إن الأمة التي تسير نحو كربلاء لا تقف متفرجة على معاناة الآخرين، بل تشعر أن كل مظلوم هو جزء من قضيتها. فالطريق الذي يسلكه الزائرون إلى كربلاء هو في جوهره طريق العدالة والوفاء.

وحين يفهم أصحاب المواكب هذه الحقيقة، فإنهم يدركون أن خدمتهم للزائرين هي جزء من مشروع أكبر؛ مشروع يربط بين الماضي والحاضر، بين دم الحسين وصمود الشعوب، بين الخيمة التي تُنصب على طريق الزائرين والخيمة التي تحمي الكرامة في مواجهة العدوان.

إن الطريق إلى كربلاء يبدأ من القلب، ويبدأ أيضاً من المواقف. وقد يكون اليوم من إيران بداية مبكرة لهذا الطريق، حيث يلتقي الصبر مع الإيمان، ويلتقي التاريخ مع الحاضر، لتبقى كربلاء بوصلة الأحرار في كل زمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار