مستقبل المواجهة -الأمريكية-الإيرانية سيناريوهات الانكفاء والتوسع وتداعياته على إعادة تشكيل النظام العالمي
علاء الطائي
بداية… الفرضية الحاكمة
في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط والعالم يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام اختبار حاسم.
الرسالة التي سيضعها البنتاغون بين يديه واضحة وصادمة.
أي توسع في المواجهة مع إيران سيكون مكلفاً استراتيجياً وأي انكفاء سيكون له ثمن باهظ أيضاً.
الفرق أن إيران اليوم ليست أفغانستان الأمس.
طهران تملك عمقاً استراتيجياً وأذرعاً إقليمية ” فصائل موالية” وقدرات صاروخية متطورة تهدد القواعد الأمريكية وحلفائها في آن معاً.
هذا الملف يحاول استشراف السيناريوهات المحتملة بناءً على المعطيات الراهنة مع تحليل دقيق لمواقف اللاعبين الرئيسيين.
إيران- إسرائيل- القوى الكبرى المتربصة “الصين- روسيا- كوريا الشمالية- تركيا” ودول الخليج. السؤال الجوهري.
هل ينحاز ترامب إلى وعوده الانتخابية بازدهار الداخل الأمريكي؟ أم تنحاز به المؤسسة العسكرية إلى مغامرة جديدة في المنطقة؟
-أولاً –
شخصية ترامب كمتغير أساسي
عقلية ترامب “التاجر” هي المفتاح لفهم أي سيناريو محتمل.
· رجل صفقات لا رجل حروب يكره إنفاق المال على حروب لا تدر أرباحاً ملموسة.
· المواطن الأمريكي أولاً.
يعلم أن ارتفاع سعر البنزين يعني غضب الناخب ونسيان أي إنجازات سابقة.
· نرجسي يبحث عن إرث .
لكنه يريد إرثاً إيجابياً “صفقة القرن اتفاق نووي جديد”
وليس حرباً مفتوحة.
· متقلب وغير تقليدي .
يمكنه اتخاذ قرارات صادمة تخالف توقعات المؤسسة.
ثانياً –
السيناريوهات المحتملة للمواجهة
. السيناريو الأول .
“صفقة التاجر”
الضغط للوصول إلى اتفاق “الأكثر توافقاً مع شخصية ترامب”
عندما يسمع ترامب من جنرالاته أن الحرب ستكلف تريليونات الدولارات وسترفع البنزين إلى مستويات قياسية فإن ردة فعله المحتملة ليست الانسحاب بل الانتقال إلى مربع الضغط الأقصى للوصول إلى صفقة كبرى مع إيران.
· آلية التنفيذ .
ضربة محدودة جداً “لإظهار العضلات” تليها دعوة فورية للتفاوض من موقع قوة.
· الهدف .
اتفاق نووي جديد “أقوى من الاتفاق السابق” أو صفقة شاملة تشمل النفوذ الإقليمي الإيراني.
· نتيجته .
عالم في حالة ترقب وليس حرباً مفتوحة.
إيران تبقى في موقع الندية.
-السيناريو الثاني .
“الانكفاء على الداخل”
عزلة أمريكا أولاً
ترامب يقتنع حقاً أن المنطقة “مستنقع” وأن استهداف إيران سيقضي على “ازدهار الداخل الأمريكي” الذي وعد به.
· آلية التنفيذ .
رفض الضربة وأمر بسحب جزء كبير من القوات الأمريكية من المنطقة معلناً أن على الحلفاء “الخليج وأوروبا” تحمل مسؤولية دفاعهم بأنفسهم.
· النتيجة .
زلزال استراتيجي يحقق مباشرة عدة متغيرات.
· تمكين الصين وروسيا من ملء الفراغ.
· تشجيع كوريا الشمالية على المزيد من التجارب النووية.
· تسريع تحول العالم نحو التعددية القطبية وإنهاء “دولرة” التجارة العالمية.
-السيناريو الثالث .
“الضربة القاضية” – التوسع في المواجهة
ترامب يتجاهل تحذيرات البنتاغون تماماً مدفوعاً برغبة في توحيد الأمريكيين خلفه “نظرية صقر الحرب” أو لضمان إرث تاريخي.
· آلية التنفيذ .
أمر بضربة واسعة تستهدف المنشآت النووية أو قيادات الحرس الثوري.
· النتيجة .
دخول السيناريوهات الكارثية حيز التنفيذ.
· إغلاق مضيق هرمز وارتفاع البنزين لـ 5-7 دولار للغالون في أمريكا “أزمة داخلية”.
· استنزاف القدرات الأمريكية في المحيطات مما يترك المحيط الهادئ أمام الصين.
· انهيار محتمل للرادارات مما يجعل الأيام الأولى من الحرب دامية جداً للقوات الأمريكية.
ثالثاً –
تحليل مواقف اللاعبين الرئيسيين
.أولاً.. إيران – المغانم في كل سيناريو
في سيناريو الانكفاء الأمريكي.
· السيطرة على مضيق هرمز “بدون حرب”.. تصبح إيران “صاحب البيت” في الخليج مما يجعل الغرب يتفاوض معها لضمان أمن الطاقة.
· إنهاء العزلة الدولية .
فشل سياسة “الضغط الأقصى” يفتح الباب أمام صفقات تجارية وطاقوية مع أوروبا وآسيا دون خوف من العقوبات الأمريكية.
· انتداب إقليمي .
يصبح للمحور الشيعي “من طهران إلى بيروت” الكلمة العليا في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
· ضرب الهيمنة الأمريكية .
صورة “المارد الأمريكي المهزوم” تشجع قوى أخرى على تصعيد هجماتها.
.في سيناريو التوسع في المواجهة “الحرب”.
· تفعيل أوراق الضغط .
صواريخ باليستية ومسيرات تستهدف القواعد الأمريكية في الخليج “قطر- البحرين- الإمارات”.
· إغلاق هرمز فورياً .
سلاح نووي اقتصادي بيد إيران.
· تفعيل “الحرب بالوكالة”.
ضرب المصالح الغربية عبر الفصائل في العراق ولبنان واليمن.
· تدمير “الحلم الإسرائيلي”.
جر المنطقة كلها إلى حرب تحرق معها مشروع التطبيع وإسرائيل.
· ارتفاع النفط .
روسيا وإيران المستفيدان الأكبر من ارتفاع الأسعار.
· إرهاق أمريكا .
استنزاف القدرات الأمريكية لصالح خصومها الآخرين “الصين- كوريا الشمالية”.
. ثانياً.. إسرائيل.
بين الحلم الإستراتيجي والكابوس الوجودي
في سيناريو الانكفاء الأمريكي.
· الأضرار “الكارثية”.
· فقدان الردع .
الانسحاب الأمريكي يقرأ في طهران على أنه “انتصار” مما يتيح إيران والفصائل على الاقتراب من حدود إسرائيل.
· التفوق الإيراني .
بدون الظل الأمريكي يصبح التفوق العسكري الإسرائيلي غير كافٍ لردع تحالف إقليمي بقيادة إيران.
· الضغط الاقتصادي .
أزمة الطاقة ترفع أسعار النفط عالمياً مما يضعف اقتصاد إسرائيل.
في سيناريو التوسع في المواجهة “الحرب الشاملة”.
· المغانم “اللحظية”.
فرصة لتوجيه ضربات قاسية للمنشآت النووية الإيرانية بالتعاون مع أمريكا “تأخير المشروع النووي لسنوات”.
· الأضرار “الوجودية”.
· جبهات مفتوحة .
“حزب الله” سيمطر إسرائيل بصواريخ دقيقة وقد تصل الصواريخ من اليمن أيضاً.
· دمار داخلي .
الحياة في إسرائيل ستتوقف
الاقتصاد سينهار.
نزوح جماعي.
· مأزق أخلاقي .
ضغط دولي لوقف الحرب بشروط قد لا ترضي إسرائيل.
. ثالثاً..
القوى الكبرى المتربصة – صيادون في مياه عكرة
١. الصين “الهدف الأكبر”.
· المكسب .
انشغال الأسطول الأمريكي في الخليج يمنح الصين حرية أكبر في بحر الصين الجنوبي للضغط على تايوان.
ارتفاع أسعار النفط يضر أوروبا واليابان “منافسيها” أكثر مما يضرها هي.
تقدم نفسها كـ”جزيرة أمان” و”وسيط سلام” مما يعزز نفوذها الاقتصادي.
· الخسارة .
توقف إمدادات النفط لفترة طويلة جداً لكن لديها مخزون استراتيجي ضخم وعلاقات مع جميع الأطراف.
٢. روسيا “المستفيد الأكبر”.
· المكسب .
ارتفاع أسعار النفط والغاز يملأ خزينة الحرب الروسية في أوكرانيا. انشغال الغرب بإيران يخفف الضغط العسكري والإعلامي عنها.
تصبح “الوسيط” الذي لا يمكن تجاهله في الشرق الأوسط.
· الخسارة .. لا تذكر.
٣. كوريا الشمالية “الطفل المدلل”.
· المكسب .
فرصة ذهبية لإجراء تجارب صاروخية باليستية عابرة للقارات أو تجارب نووية تحت الأرض.
الرد الدولي سيكون محدوداً وخطابياً فقط.
· الخسارة.. لا تذكر.
٤. تركيا.. “اللعب على الحبلين”.
· المكسب .
. إذا انكفأت أمريكا تتعاظم أحلام أردوغان العثمانية الجديدة في سوريا والعراق وشرق المتوسط.
. إذا اشتعلت الحرب تصبح تركيا سوراً آمناً للاجئين وممراً للطاقة البديل.
· الخسارة .
موجة لجوء جديدة نحو حدودها
أو امتداد الحرب إلى حدودها الجنوبية.
. رابعاً.. دول الخليج
على صفيح ساخن
في سيناريو الانكفاء الأمريكي.
· ردود الفعل المتوقعة.
· التنويع في الحلفاء .
تعزيز العلاقات مع الصين “تجارة” وروسيا “طاقة”.
· التطبيع مع إيران.
تحت ضغط الخوف قد تضطر بعض الدول للتفاوض مع إيران مباشرة لحماية منشآتها النفطية “سياسة تهدئة الجار”.
· سباق تسلح .
شراء أعتى الأسلحة من أي مصدر لكنها تظل غير قادرة على مواجهة إيران بمفردها دون غطاء استخباراتي أمريكي.
· المغانم .
الحفاظ على سلامة منشآتها النفطية “حتى بدفع إتاوات غير معلنة لإيران”.
· الأضرار .
انهيار الثقة في الضامن الأمريكي وخضوع نفوذها الإقليمي لإرادة إيران أو تركيا أو الصين.
في سيناريو التوسع في المواجهة “الحرب”.
· الأضرار “المباشرة والمميتة”
· تدمير البنية التحتية .
استهداف محطات تحلية المياه مطارات
ومنشآت نفطية “مثل أرامكو”.
· إغلاق مضيق هرمز .
توقف شبه كامل للصادرات النفطية انهيار الإيرادات.
· نزوح الاستثمارات .
شركات العالم لن تستثمر في منطقة حرب.
· عدم القدرة على حماية السماء. “انهيار الرادارات” يعني أن المنظومة الدفاعية قد تكون عاجزة أمام وابل من الصواريخ.
· المغانم “في حال النصر” لا تذكر. حتى لو انتصرت أمريكا ستبقى المنطقة مدمرة وتكلفة إعادة الإعمار هائلة.
. رابعاً.. المتغيرات الحاسمة في المعادلة
١. الداخل الأمريكي والازدهار.
أي حرب مع إيران سترفع أسعار الطاقة.
ترامب يعلم أن المواطن الأمريكي ينسى كل الإنجازات إذا ارتفع سعر البنزين.
هذا هو أكبر مثبط له لشن الحرب.
٢. الطاقة ومضيق هرمز.
إغلاق هرمز “ولو جزئياً” يعني كارثة اقتصادية على آسيا وأوروبا وليس فقط أمريكا.
هذا يجعل الخليج ورقة بيد إيران لابتزاز العالم لوقف الحرب.
٣. انهيار الرادارات.
إذا كانت المعلومة صحيحة فهذا يعني أن الردع الأمريكي قد تآكل. سيجعل أي عملية عسكرية محفوفة بمخاطر هائلة.
٤. استنزاف القدرات الأمريكية والصين.
انشغال أمريكا في الشرق الأوسط يمنح الصين فرصة ذهبية للضغط على تايوان أو تعزيز نفوذها في بحر الصين الجنوبي.
٥. روسيا المستفيد الأكبر.
حرب الخليج سترفع أسعار النفط لتمويل حربها في أوكرانيا دون أن ترفع إصبعاً.
٦. نهاية الدولرة.
حرب مدمرة قد تُظهر ضعف الولايات المتحدة وتسرع من تحول الصين وروسيا والهند نحو نظام مالي جديد قائم على العملات المحلية.
٧. نتنياهو المستفيد الوحيد “في التحريض”.
يريد توجيه الضربة الأمريكية لإيران لتصفية حسابات استراتيجية.
. خامساً.. ترجيح السيناريو الأكثر واقعية
بناءً على تحليل الشخصية “ترامب التاجر” والمعطيات “تحذيرات البنتاغون- كلفة الحرب- مصلحة الداخل الأمريكي” فإن.
السيناريو الأرجح هو “منتصف الطريق” بين الانكفاء والمواجهة مع ميل أقوى نحو الانكفاء التدريجي المحسوب وذلك للأسباب التالية.
١. ترامب رجل صفقات.
وعوده الانتخابية كانت “إنهاء الحروب” و”ازدهار الداخل الأمريكي”.
الحرب مع إيران تناقض هذا تماماً.
٢. الردع الإيراني نجح.
إيران استطاعت بناء قدرات جعلت فكرة الحرب “غير قابلة للبيع” للرأي العام الأمريكي.
٣. الانشغال بالصين.
الاستخبارات الأمريكية تركز على الصين كـ”التهديد الأكبر”. الانجراف في حرب مع إيران يخدم الصين مباشرة.
ملامح هذا السيناريو.
· ستبقى قوات أمريكية في المنطقة لكنها ستكون دفاعية بشكل أساسي.
· ستزداد الضغوط على حلفاء الخليج لشراء الحماية “وليس تقديمها مجاناً”.
· ستجد إيران مساحة للمناورة السياسية والدبلوماسية مع بقاء العقوبات كأداة ضغط.
· إسرائيل ستعيش في حالة “استنفار دائم” وتحاول جر أمريكا بضربات محدودة.
· الصين وروسيا ستواصلان سحب البساط من تحت أمريكا في المنطقة دون صدام مباشر.
· دول الخليج ستعيش مرحلة “البراغماتية القصوى”.
تقدم قواعدها لأمريكا لكنها تمد جسورها مع إيران والصين سراً.
-النتيجة النهائية .
العالم يتجه نحو “فوضى متوازنة”
لن تكون هناك حرب عالمية ثالثة منظمة بل حروب بالوكالة وانهيارات تدريجية وإعادة تشكيل للتحالفات.
المستفيد الأكبر هو من يملك طاقة وطعام وذكاء سياسي.
السيناريو الأسوأ.
خطأ في التقدير “مثل إسقاط طائرة أو استهداف سفينة” قد يجر الطرفين إلى حرب لا يريدانها.
السيناريو الأفضل للعالم.
تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وطهران عبر وسطاء “سلطنة عمان -جنيف” ترسم “قواعد اشتباك” جديدة تحافظ على تدفق النفط وتمنع التصعيد.
بوصلة العالم يوم الأحد قد لا تتجه نحو حرب شاملة بل نحو إعادة تعريف قواعد اللعبة في المنطقة. المآزق قادمة حتماً لكن وتيرتها تعتمد على مدى قدرة ترامب على احتواء التناقض بين وعوده الانتخابية وضغوط المؤسسة العميقة.
زر الذهاب إلى الأعلى