الرئيسيةالمقالات

بين دموع “وادي عربة” وجفاء “خور عبد الله”: قراءة في ارتهان السيادة العراقية

بين دموع “وادي عربة” وجفاء “خور عبد الله”: قراءة في ارتهان السيادة العراقية

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

​تظل الذاكرة السياسية العراقية عصية على النسيان، لا سيما حينما يتعلق الأمر بخرائط الحقوق السيادية التي تتقاطع عندها مصالح الجوار بمرارة الواقع؛ فالمشهد الذي اختزلته عدسات التاريخ في منتصف التسعينيات، حين وقف الملك الحسين بن طلال مؤبناً رئيس الوزراء الإسرائيلي “إسحق رابين” بدموع لم تكن مجرد بروتوكول عابر، بل كانت إعلاناً عاطفياً وسياسياً عن انحياز كامل لمنظومة ترى في الكيان الصهيوني “شريكاً وأخاً”، هي ذاتها الروح التي تنسحب اليوم على مواقف الخلف من السلف. إن سياسة الملك عبد الله الثاني لا تبدو في جوهرها إلا امتداداً وفياً لنهج والده، حيث يتجلى ذلك بوضوح في الاصطفاف الأردني الأخير ضد التطلعات العراقية المشروعة، من خلال التضامن مع الجانب الكويتي في ملف الحدود المائية والخرائط المودعة لدى الأمم المتحدة، وكأن التاريخ يعيد إنتاج الخذلان ذاته بأدوات دبلوماسية معاصرة.
​وهنا يبرز التساؤل الأخلاقي والسياسي الذي يفرض نفسه على المشهد العراقي: كيف يمكن لبلد كالعراق، يمتلك عقيدة وطنية وقانونية صلبة تجرم التطبيع وتعتبر العداء للصهيونية ثابتاً غير قابل للمساومة، أن يستمر في لعب دور “الممول الاستراتيجي” لاستقرار مملكة تضع يدها في يد المحتل؟ إن السخاء العراقي المتمثل في منح الأردن تخفيضات نفطية تصل إلى ستة عشر دولاراً عن السعر العالمي للبرميل الواحد، مضافاً إليها سلسلة طويلة من الإعفاءات الجمركية والتسهيلات التجارية، يضعنا أمام مفارقة “الفصام السيادي” الذي تمارسه الواجهات المتحكمة في القرار العراقي. فهؤلاء الذين يدّعون الوطنية حيناً، أو يزعمون الانتماء لمحور إقليمي يرفع شعار “الموت لإسرائيل” حيناً آخر، يجدون أنفسهم في تناقض صارخ وهم يغذون شريان الحياة لنظام يبكي قادته على زعماء الصهاينة ويحفظون أمنهم، بينما لا يجد الحرج في خنق المنفذ المائي الوحيد للعراقيين أو التآمر على خرائطهم الحدودية.
​إن هذا الاستهتار بمقدرات العراق، الذي تجلى في محاولات حكومات وبرلمانات متعاقبة تمرير اتفاقيات “مذلة” كخور عبد الله ضاربة عرض الحائط بقرار القضاء وإرادة الشعب، يكشف عن عمق الأزمة في الداخل العراقي قبل الخارج. فالدول لا تُبنى بالمنح المجانية لمن لا يحترم حدودها، والسيادة لا تُسترد بالاستجداء؛ بل بفرض مبدأ “المعاملة بالمثل” وربط المصالح الاقتصادية بالمواقف السياسية القومية. إن استمرار تدفق النفط العراقي بأسعار تفضيلية لدولة تجاهر بمساندة من يغتصب الحقوق الفلسطينية والعراقية على حد سواء، هو طعنة في خاصرة التضحيات العراقية، ودليل على أن القرار العراقي ما زال مرتهناً لإرادات دولية تريد للعراق أن يبقى “ساحة مستأجرة” تمول جيرانها وتجوع شعبها، وهو ما يستدعي وقفة وطنية حازمة تقودها النخب الحرة لاستعادة كرامة الخريطة وقيمة الثروة، بعيداً عن حسابات التبعية التي أهلكت البلاد والعباد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار