بين مِباهلة الحق العراقي وأوهام “الدروس” الإقليمية: السيادة لا تُباع بالرُّشا ولا تُنتزع بالوكالة
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يبرزُ اليوم من يلوّحُ بـ “درس عام 1990” في محاولةٍ مكشوفة لترهيب العراق وثنيه عن المطالبة بحقوقه البحرية المشروعة، كما جاء في تصريحات بعض الإعلاميين الخليجيين، ومنهم السعودي داود الشريان. بيد أن هؤلاء يتناسون أن التاريخ الحقيقي لا يُكتب بأقلام الوكالة، بل ترسمُ ملامحه الحقائق الجغرافية وتضحيات الشعوب. إن استحضار ذكرى عام 1990 يستوجبُ وقفةً صادقة مع المسببات والدوافع التي أدت لتلك الأحداث؛ وفي مقدمتها الحرب الاقتصادية الممنهجة، وسرقة النفط العراقي عبر “الحفر المائل”، ومحاولات خنق رئة العراق البحرية؛ وهي السياسات ذاتها التي نراها تتجسد اليوم في قوالب دبلوماسية وقانونية مشوهة تسعى لإدامة الظلم التاريخي.
إن ما يُروج له بصفته “درساً” في عامي 1990 و1991، لم يكن في واقعه مواجهةً متكافئة، بل كان هجوماً دولياً عريضاً شنّته ثلاثٌ وثلاثون دولة استهدفت جيشاً عراقياً خاض معارك الكرامة في ظل اختلالٍ حاد في موازين القوى وغيابٍ تام للغطاء الجوي. وهنا يبرزُ الفارقُ الجليُّ في الذاكرة العربية؛ فإذا كانت مصر الحبيبة ما تزالُ تتباهى بجيشها وشعبها في صمودهم أمام “العدوان الثلاثي” عام 1956، وهو فخرٌ مستحقٌ ساندت فيه أغلب الدول العربية الشقيقة مصر العروبة، فإن من حق العراق، بل من أوجب واجباته، أن يتباهى بوقوفه وحيداً أمام عدوانِ ثلاثٍ وثلاثين دولة من أقوى قوى الأرض. لقد واجه العراق قوى العالم مجتمعةً دون أن يسانده أحد، بل كان بعضُ أشقائه هم من يمدّون جسور الدعم لهذا الزحف العالمي ضده، ومع ذلك لم ينكسر المقاتل العراقي أمام جيوشٍ لم تجرؤ على المواجهة إلا وهي تحت حماية البوارج العابرة للقارات.
وإذا كان ثمة من يرى في نفسه القدرة اليوم على تلقين العراقيين “دروساً” جديدة، فإننا نستحضر روح “المباهلة” في تاريخنا، وندعوهم لأن يأتوا بأنفسهم وأبنائهم وجيوشهم الذاتية لمواجهةٍ مباشرة في الميدان، بعيداً عن الاستقواء بالقوى العظمى، لنرى حينها من يثبت في ساحة الحق دفاعاً عن أرضه. ويجب على هؤلاء المهددين أن يعوا جيداً طبيعة النفسية العراقية؛ فالعراقيون، لا سيما في الوسط والجنوب، نشأوا على قيم الشجاعة والبأس، والقتالُ عندهم شيمةٌ طبيعية وسجيةٌ متجذرة. ولعل أصدق تعبير عن هذه الروح هو لسان حال المواطن العراقي في الجنوب الذي يرى أن القتال حين يتجرد من التبعات المادية والحسابات العشائرية المعقدة (الفصول) يصبح هَيِّناً ومستساغاً؛ فالمعركة التي لا تطلبُ ثمناً إلا بذل الروح في سبيل الأرض هي أقرب الميادين لنفوسهم الأبية.
إن الحقوق البحرية العراقية التي تحاول “قائمقامية الكويت” قضمها اليوم عبر اتفاقيات مشبوهة، هي حقوقٌ ثابتةٌ بموجب قانون البحار لعام 1982، وقبل ذلك بفضل التاريخ الضارب في القدم لبلاد الرافدين. أما ما جرى في الحقبة ما بين عامي 2003 و2012، فما هو إلا عملية “سمسرة سياسية” أقدمت عليها حكومات وبرلمانات تعاقبت على حكم العراق وخانت الأمانة الوطنية، وقبضت مقابل ذلك رُشاً بمليارات الدولارات اعترفت بها أطراف كويتية علانية. واليوم، بفضل الموقف الحازم للقضاء العراقي وإصرار الشخصيات الوطنية المخلصة، وفي طليعتهم المهندس عامر عبد الجبار واللواء جمال الحلبوسي والفريق الوطني المساند، يستعيد الشعب العراقي صوته ليؤكد للعالم أجمع أن السيادة لا تُباع بالمال ولا تُنتزع بالوعيد. فمن يهربُ من منطق التحكيم الأممي العادل ويحتمي ببيانات التضامن السياسي، إنما يثبتُ خشيتَه من الحقائق التي لن تطمسها أموال الرُّشا ولا صخبُ الإعلام المأجور.
زر الذهاب إلى الأعلى