الرئيسيةعربي ودولي

حديث الإثنين : علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية

حديث الإثنين : علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية

احمد ناصر الشريف

 

مواكبةً لحلول الشهر الكريم، سأبتعد هذا الأسبوع عن السياسة، وأعود إلى الوراء قليلاً لنتأمل كيف كان حال الأمة الإسلامية والمجد الذي بلغته، وكيف كان الأوروبيون يتهافتون للنهل من علومها، ثم نقارن ذلك بحالها اليوم الذي لا يسر عدوًا ولا صديقًا.
قبل ما يقارب ربع قرن زارت اليمن المستشرقة الألمانية (أنا ماري شيمل)، وكُلِّفتُ بإجراء حوار صحفي معها. وعندما عدت إليه وقرأته من جديد، وجدت أن ما ورد فيه من حقائق تاريخية على لسانها حول المجد الذي وصل إليه المسلمون يجعل كل مواطن عربي ومسلم يندب حظه ويتأسى على الوضع الذي وصلت إليه الأمتان العربية والإسلامية اليوم، وهو وضع أعادهما إلى ما يشبه حال الجاهلية الأولى. وسأقتبس منه ما يتعلق باستفادة أوروبا من علوم المسلمين واهتمامها بتاريخ الحضارة الإسلامية.
تقول المستشرقة (أنا ماري شيمل) في بداية حديثها إن سر اهتمامها باليمن يرتبط بتاريخه الحضاري ودور أبنائه الرائد في نشر الدعوة الإسلامية وفي الفتوحات، لاسيما الدور الذي قام به أبناء حضرموت خلال هجرتهم إلى الهند وإندونيسيا. وقد اتخذت من ذلك مادة قامت بتدريسها عن تاريخ الإسلام في الهند وباكستان، وكذلك عن دور اليمنيين في مختلف العصور، مؤكدة أنها اهتمت بالدراسات الإسلامية وبالإسلام كدين من الناحية الثقافية والتاريخية وعظمة حضارته، إلى جانب قراءتها للتراث الإسلامي بحكم إجادتها لعدد من اللغات، منها العربية والتركية والفارسية والأوردية. وهو ما يتوجب على كل مهتم أن يعمل على إبراز تاريخ الحضارة الإسلامية العظيمة، ليعود بمزيد من المعرفة لمن لا يعرفون ما وصلت إليه من رقي وتقدم، وما قدمته من إسهام في نهضة أوروبا.
وحين سألتها عن أهمية الحوار بين الأديان وإمكانية التعايش السلمي، قالت: إن الحوار والتفاهم ممكنان بين الأديان إذا ما أُبعدا عن السياسة. وأضافت أنها، عندما كانت أستاذة لتاريخ الأديان بجامعة أنقرة في تركيا، قامت بتدريس الطلبة المسلمين تاريخ الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية، وكذلك الفرعونية، ليعرفوا عنها. وأنها ناقشت ذلك كثيرًا مع الطلبة المسلمين، وقالت لهم إن هناك عالمًا كبيرًا في ألمانيا ألّف كتبًا كثيرة عن فلسفة الأديان، فأفادوا أن ذلك ليس بجديد عليهم؛ لأن المسلمين يعلمون أن الله ذو الجلال والجمال. وهذا أمر بديهي، خاصة أن تاريخ العالم الإسلامي يمتد لأكثر من 1400 سنة.
لكن المشكلة التي قد تعيق مسيرة الحوار بين الأديان تتمثل في استغلال المسائل العقائدية وتوظيفها في أمور أخرى تعرقل نجاح الحوار. ولذلك من المهم التركيز على جوهر الأديان والابتعاد عن القشور، وفهمها فهمًا صحيحًا، وعدم حشر الجانبين السياسي والاقتصادي في مثل هذه الحوارات.
وحول نظرتها للحركة الصهيونية وأسلوب تفكيرها في التعامل دينيًا مع الآخرين، وكذلك نظرتها لحركة الاستشراق الألمانية مقارنةً بالاستشراق في بريطانيا وفرنسا المرتبط بالاستعمار، قالت: إن الحركة الصهيونية ليست حركة دينية، وإنما حركة سياسية. وهناك كثير من المستشرقين اليهود كتبوا قبل ثمانين عامًا كتابات جيدة قدّروا فيها الإسلام والمسلمين، لكن الحركة الصهيونية اليوم أصبحت سياسية، وفيها قدر من التعصب. وإن كانت تجد بعض أصدقاء يهود يؤلفون كتبًا قيمة باللغة العربية يفصلون فيها بين الدين والسياسة.
أما بالنسبة لحركة الاستشراق في ألمانيا، فهي تختلف عما هو موجود في بريطانيا وفرنسا المرتبط بالاستعمار؛ فألمانيا لم تكن لها مقاصد استعمارية تُذكر، وإن كانت قد أخذت أجزاءً من إفريقيا، كتنزانيا وكينيا، لفترة تجاوزت ثلاثين عامًا. والمستشرقون الألمان يهتمون كثيرًا بالأدب، والاستشراق الألماني في معظمه محايد وغير سياسي، وليس له علاقة بما أشار إليه إدوارد سعيد في كتابه.
لقد كان الغرب في القرنين الثامن والتاسع يتابع باندهاش فتوحات المسلمين في حوض البحر الأبيض المتوسط، في الوقت الذي كان يتلقى فيه أسس العلوم الطبيعية عبر الأندلس، حيث كان المسلمون ينشرون سيادتهم لقرون طويلة. وكانت المؤلفات الطبية، كمصنفات الرازي وابن سينا، تُعد في أوروبا حتى بداية العصر الحديث مراجع أساسية، كما أخصبت كتابات ابن رشد المناقشات اللاهوتية، وأسهمت في تمهيد الطريق لعصر التنوير والانفتاح العقلي.
وفي طليطلة، حيث كان اليهود والمسيحيون والمسلمون يتعايشون في وفاق وسلام، عمل المترجمون على نقل العلوم العربية إلى اللغات الأوروبية، ووضعها في متناول الغرب. وقد علّم القشتالي (رامون لول) مبادئ احترام الأديان لبعضها، ذلك الاحترام الذي كان يرمي، عبر الحوار، إلى تحقيق واجب مشترك يتمثل في السلم والوفاق.
كما تعرّف الغرب، من خلال الروايات الموضوعية للتجار والرحالة، على جانب آخر من الشرق. فقد ظهرت الترجمة الفرنسية الأولى لحكايات «ألف ليلة وليلة» في بداية القرن الثامن عشر، فسحرت أوروبا بصور الشرق المليء بالعجائب، وأصبحت مصدر إلهام لأجيال من الشعراء والرسامين والموسيقيين. وفي الوقت ذاته، ساعد عصر الانفتاح والتنوير على منح الدراسات العربية والإسلامية، وكذلك الدراسات الهندية، مكانة مستقلة في تاريخ العلوم الإنسانية.
وكان الشاعر الألماني (غوته) في طليعة المهتمين بالثقافة الإسلامية، ويُعد عمله «الديوان الغربي الشرقي»، بما تضمنه من تعليقات وحواشٍ وشروح، تحليلًا عميقًا للحضارة والثقافة الإسلامية لم يُنجز عمل مماثل له حتى اليوم.
إن الغرب يدين بالكثير للثقافة الإسلامية، رغم أن هذه الثقافة تبدو لكثير من الأوروبيين غريبة، وتوصم أحيانًا بأنها لم تمر بطور الإصلاح أو التنوير. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن للعالم الإسلامي، من إفريقيا العربية إلى إندونيسيا، أشكالًا ثقافية متعددة ومتباينة، رغم اشتراك شعوبه في قاعدة إيمانية واحدة تتمثل في الإيمان بالله الواحد الأحد، والاعتراف بمحمدٍ رسولًا وخاتمًا للأنبياء والمرسلين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار