السيادة الوطنية بين استبسال النخب وتخاذل الزعامات: قصة استعادة الحدود البحرية العراقية
بقلم/عدنان صگر الخليفه
لم يكن إيداع خارطة العراق البحرية وتثبيت إحداثيات حدوده لدى الأمم المتحدة مؤخراً مجرد إجراء إداري عابر، بل كان في جوهره خلاصة ملحمة وطنية خاضتها إرادة شعبية واعية بوجه منظومة سياسية غلبت التوازنات الإقليمية على المصالح السيادية. إن القراءة المنصفة لمسار هذا الملف التاريخي تؤكد أن الفضل في صون “رئة العراق” المائية لا يعود إلى تلك الزعامات التقليدية أو الحكومات التي توالت على السلطة منذ عام 2003، بل هو إنجاز خالص لثلة من الشخصيات الوطنية التي عدت على الأصابع، فواجهت بالخرائط والقانون صفقات الغرف المظلمة ومحاولات الاستلاب الجغرافي.
تبدأ فصول هذه المعركة من المرارة التي خلفتها اتفاقية عام 2013 لتنظيم الملاحة في خور عبد الله؛ تلك الاتفاقية التي صاغتها حكومة نوري المالكي الثانية، وصادق عليها البرلمان برئاسة أسامة النجيفي في ذلك الحين. والمفارقة التاريخية المؤلمة تكمن في أن القوى السياسية التي مررت تلك المعاهدة لم تتردد في تسميتها بـ “المذلة”، ومع ذلك رضيت لنفسها الإذلال علناً ورفعت أيديها بالتصويت على التفريط بحقوق سيادية ثابتة. ومنذ ذلك الحين، انبرى فريق من الفدائيين الوطنيين لخوض مواجهة غير متكافئة ضد إرادة السلطة، يقودهم الأستاذ المهندس عامر عبد الجبار، واللواء الدكتور جمال الحلبوسي، والقاضي وائل عبد اللطيف، الذين سخروا علمهم وخبراتهم الفنية والقانونية لكشف حجم الحيف الذي وقع على العراق، مسنودين في ذلك بنواب وطنيين غيورين وكوادر مخلصة في وزارة النقل كانت شاهدة على تلك الكواليس.
إن ما جرى في المرحلة الأخيرة يكشف حجم التناقض بين مصلحة الوطن وتوجهات “الزعامات” الحاكمة؛ فبينما أصدر القضاء العراقي قراره الشجاع بعدم دستورية تلك الاتفاقية، حاولت الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني ورئاسة الجمهورية بقيادة عبد اللطيف رشيد، بشتى الطرق تعطيل مفاعيل هذا القرار أو الالتفاف عليه عبر محاولة دفع القضاء لإعادة صياغة حكمه الوطني. وبدلاً من أن يستثمر البرلمان العراقي في دورته الحالية هذا الزخم القضائي لإلغاء الاتفاقية نهائياً، اختار المناورة بإعادة الملف إلى أروقة الحكومة؛ وهو ذات البرلمان الذي تناوب على رئاسته كل من محمد الحلبوسي، ثم نائبه محسن المندلاوي بعد إقالة الأول، وصولاً إلى الدكتور محمود المشهداني، حيث بقيت رئاسة المؤسسة التشريعية في هذه الدورة تدور في فلك التسويف بدلاً من الحسم السيادي.
إن المطلب الشعبي والوطني اليوم يتجاوز مجرد إيداع الخرائط؛ إذ يجب إعادة هذه الاتفاقية إلى أروقة البرلمان ليتم إلغاؤها بشكل كامل ونهائي، تأكيداً على عدم المساس بحدود العراق سواء كانت بحرية أو برية أو جوية. وهنا يبرز الاختبار الحقيقي لمصداقية البرلمان العراقي في دورته الحالية؛ فكل من يدعي الوطنية من أعضائه مطالب اليوم بموقف حازم يثبت انحيازه للعراق، ليعلم الشعب العراقي يقيناً إن كان هؤلاء يمثلون إرادة الوطن حقاً، أم أنهم مجرد امتداد للنهج السابق الذي فرط بالحدود وباع الحقوق في صفقات سياسية مشبوهة. إن التاريخ سيسجل بمداد من فخر أن حماية السيادة كانت انتزاعاً للحق قاده خبراء وطنيون، وسيبقى هذا المنجز أمانة في أعناق من يرفضون أن تُباع حدود بلادهم في مزادات المساومة.
زر الذهاب إلى الأعلى