الرئيسيةالمقالات

كينونةُ النهبِ واغتيالُ الفاعلية: تأملاتٌ في الأنطولوجيا السياسيةِ للعراقِ المعاصر

كينونةُ النهبِ واغتيالُ الفاعلية: تأملاتٌ في الأنطولوجيا السياسيةِ للعراقِ المعاصر

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

​تنبثقُ إشكاليةُ الدولةِ في العراقِ من صيرورةٍ تاريخيةٍ تعمدتْ إفراغَ المؤسسةِ من جوهرِها الغائي، لتستحيلَ الوزاراتُ من أدواتٍ لرفدِ الوجودِ الجمعيِّ إلى “إقطاعياتٍ أنطولوجية” غايتُها الاستهلاكُ الذاتي واقتياتُ الموازنات. إننا أمامَ مشهدٍ سرياليّ، حيثُ تُغتالُ “المنشأةُ” بما هي رمزٌ للفاعليةِ والإنتاج، ليحلَّ محلَّها “الراتبُ” بما هو أداةٌ للتدجينِ والارتهان. لقد تأسسَ هذا النظامُ على فلسفةِ “الغنيمة”، حيثُ وضعتِ النخبةُ السياسيةُ حجرَ الأساسِ لظلمٍ بنيويّ، شرعنَ الاستنزافَ الممنهجَ لثرواتِ الأمةِ تحتَ مسمياتِ المحاصصةِ والحقوقِ الفئوية، مُحولةً السلطةَ من تكليفٍ إداري إلى امتيازٍ طبقيٍّ أسطوريّ، يتقاضى سدنتُها ثمنَ فشلِهم امتيازاتٍ وتقاعداً أبدياً، في مفارقةٍ صارخةٍ مع كفافِ عيشِ المواطنِ الكادحِ الذي باتَ يقتاتُ على “فُتاتِ النفط”.
​وفي هذا التضخمِ الورميّ، تبرزُ تلك الوزاراتُ التي ناءَ بها هيكلُ الدولة، والتي لم تُوجَدْ لخدمةِ السيادةِ أو المواطن، بل استُحدثتْ كـ “مفارخَ” حزبيةٍ تُسمنُ من قوتِ العراقيين لتخدمَ مصالحَ مُموليها. إنَّ بقاءَ هذهِ الهياكلِ المترهلةِ التي لا تقدّمُ نفعاً حقيقياً هو استنزافٌ متعمّدٌ لموازناتٍ كان الأجدرُ بها أن تذهبَ لإحياءِ الإنسانِ وعمرانِ الأرض. ويكتملُ هذا المشهدُ المأساويُّ بـ ارتهانِ الدستورِ والقانون؛ فقد أضحى العقدُ الاجتماعيُّ طوعَ بنانِ الأحزاب، تُؤخّرُ بنودَهُ أو تُعطّلُ توقيتاتِهِ وفقَ ما يخدمُ بقاءَها في السلطة. وهنا يبرزُ السؤالُ الوجوديُّ المرير: مَن يحاسبُ مَن؟ إذا كانَ الخصمُ هو الحكَم، وإذا كانَ البرلمانُ الذي أفرزتْهُ انتخاباتُ نهايةِ عام 2025 أعجزَ عن صونِ الأمانة، في ظلِّ صمتِ المحكمةِ الاتحادية عن التجاوزاتِ التي طالتْ صلبَ العملِ الدستوري، ما أفقدَ المؤسسةَ الرقابيةَ والقضائيةَ دورَها كحارسٍ للشرعية.
​إنَّ هذا القتلَ العمدَ للمنشآت، وإفراغَ قطاعي التعليمِ والصحةِ من محتواهما، مع تحوّلِ المؤسساتِ الدستوريةِ إلى دروعٍ تحمي مصالحَ المتسلطين، هو اغتيالٌ لمستقبلِ الأجيال، ليبقى المجتمعُ رازحاً تحتَ وطأةِ التجهيلِ والاعتلال، مُنقاداً خلفَ “المنومِ المغناطيسي” الذي توزعُهُ السلطةُ عبرَ فتاتِ الرواتبِ لتأمينِ صمته. إنَّ المبدأَ الأخلاقيَّ الذي يلعنُ المؤسسَ والمشارك والسامع والراضي بهذا الظلم، يجدُ انطباقَهُ التامَّ في واقعنا؛ إذ إنَّ الرضا بـ “ارتفاعِ الحرارة” والقبولَ بدستورٍ يُنتهكُ دونَ رادعٍ هو اشتراكٌ ضمنيٌّ في إدامةِ أمدِ الاستعباد. إنَّ استعادةَ العراقِ تبدأُ من نقضِ “أساسِ الظلم” التأسيسي، والتحررِ من زيفِ الشرعياتِ الجوفاء، والعودةِ إلى فلسفةِ “الدولةِ المنتجة” التي لا يكونُ فيها الدستورُ ورقةً للمساومة، بل حصناً منيعاً يُصانُ فيهِ حقُّ العراقيِّ فوقَ كلِّ مصلحةٍ حزبية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار