ما زلت أهرب
عفاف البعداني
كنت أقف أمام باب لم أقرر دخوله بعد، كأنني أختبر شجاعتي في مواجهة شيء لا أعرفه، لطالما كنت أبحث عن المعنى لكل شيء، أستشعر طاقة في الهواء تلازم ظلي الناقص حتى يتحول إلى حقيقة، ظللت أحدق في الباب طويلا، وحين لم أعد أحتمل ذلك النداء ، خطوت. عندها أحسست بشيء يفرك معصمي كأنه صوت يقول: هيا افتحي عينيك،…..
دخلت المكتبة كما تدخل امرأة اعترافها الأخير، لا لأشتري كتابا؛ بل لأرى إن كنت ما أزال أستحق القراءة، كان الأمر جزءا من مشوار لم أقصده، باب ضيق وداخله واسع جدا، رجل يبيع وفتاة تشتري. لم أزر أي مكتبة في حياتي، توقعت أن ألوذ بالفرار من شواهد التفكير عندما أراها، وتوقعت أن أضيع بين الجميع وأنا منغمسة فيها، أن ينادوني مثلا وأنا لا أسمعهم، لكن شيئا آخر حدث، كبرت فجأة، وبحوزتي بعض النقود، وليس في نفسي شراء أي منها. كان بيدي فستانا قيمته ثلاثة كتب، هكذا سمعت رف المكتبة وهو يعتب علي.
•تأملت الوجوه والرفوف، ولم يحدث شيء، شعرت أني فتاة وضيعة ومسلوبة، كانت كذبتي الأقرب أن البائع غبي ولا يعرف لماذا خلقت الكتب، الكتب نفسها أمامي، وأنا الغائبة الوحيدة بينها، صوت كبير يلهث في داخلي يريد أن ينال منها وتنال منه، كتب كثيرة، ولا أعلم كيف وصلت إلى هذه المكتبة الصغيرة، انهرت بصمت، لقد مات في أحب الأشياء إلي، حتى إني سخرت من الجميع. كأنني أكلت كل تجارب الكتاب ثم مت معهم، وعدت للحياة لأتقيأ في وجوههم أن العالم قد نساهم وسلب منهم كل شيء، خصوصا الكتب العصرية؛ فالهزء يتضاعف عندها، كل إصدار أكاد أشم فيه رائحة الاتكاء الاصطناعي. أتقزز قهرا، “الحروف لم تخلق للشهرة، أيها الحمقى”
الجميع هنا في غاية القوة: المارة، البائع، المشترون… إلا أنا، كلماتي تسقط في الهواء لا أدري كيف أبحث عنها، لقد وزعتها في الجبال والطقس وبين حزمات الحطب، أردت الفرار من هنا، الأدبية تهينني، تعاقبني، وتخرجني من المكتبة. هل يجب علينا أن نتخلى عن طريق لنعيش طريقا آخر؟!
عدنا إلى البيت، والكتاب لا يزال مغلقا في يدها، وبينما أنا منشغلة في إصلاح الباب المخلوع للخزانة، رفعت صوتي: “لقد خدعك البائع، الكتاب لا يستحق منك سوى ألف ريال” لكن الحقيقة أنني أنا المخدوعة، لأنني لم أقترب مما أحببت…أظن أن الاعتراف لا يجعلنا نعيش أحرارا، أما التخلي فهو ما يجعلنا نبتسم ونحن نضع النقطة الأخيرة.
زر الذهاب إلى الأعلى