خبايا الإضطرابات الأخيرة في إيران
د. محمد العبادي
قريب من خمسة عقود زمنية مضت على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وكانت تلك الفترة الزمنية صعبة؛ فهي محاطة بأسلاك الأعداء الشوكية، وبألغام من المشاكل والتحديات الداخلية والخارجية .
بعد مرور حوالي ( 25) يوماً على الاضطرابات التي حصلت في إيران، يمكن الإشارة إلى بعض ما حصل في ضمن النقاط التالية:
أولاً: لا يمكن تعليق كل المشاكل على شماعة العدو الخارجي، لأنّ بعض الأحداث سببها داخلي صرف مثل ضعف بعضهم عن أداء مسؤوليته، ومن باب المثال فإن تقلب الأسعار والغلاء الفاحش قد يكون سببه داخلي بالدرجة الأولى ومن ثم يأتي دور العامل الخارجي، ولا أخفي عليكم أن هناك كلام طويل الذيل حول تأثير الأداء الحكومي في صناعة بعض الأحداث، لكن العبارة لاتطاوعني( وما كل أسرار القلوب مباحة).
ثانياً: قبل أن تخرج أي تظاهرة للعلن كان الفضاء المجازي بمواقعه الإجتماعية والإعلامية ملتهباً، ويدفع بإتجاه التحريض ضد النظام الإسلامي، وقد تم تجنيد مئات الأشخاص ودفعهم بإتجاه الأعمال العدوانية. وهذه الظاهرة نذير شئم لكلّ الدول وخاصة الدول الغنية بالموارد الاقتصادية، حيث يتم إعادة تشكيل صياغة أذهان الناس داخل حدودها نحو تحقيق مصالح الدول الأجنبية وأجهزتها الأمنية. وقد تم القبض على كثير من الأشخاص الذين تم تجييشهم ضد مصالح بلدهم من خلال مواقع التواصل الإجتماعي والفضاء المجازي .
إيران كانت ذكية وقطعت الانترنيت وخطوط التواصل عن الجماعات التي تتحرك (بالريموت)، ولا أدري ماذا ستفعل باقي الدول لو تم شحن شبابها بالسموم ضد أمنها من قبل الأجهزة الأمنية الأجنبية.
ثالثاً: كرأي شخصي أن إيران نجحت علمياً وعسكرياً واجتماعياً، لكنها خسرت إعلامياً، وتراجع مستوى المعيشة فيها رغم أنّها تمتلك إقتصاداً متنوعاً وقوياً جداً. إنّ إيران ليس لديها أزمة اقتصادية بل أزمة إدارية. وهي تحتاج إلى إيجاد جيوش إعلامية في مقابل الإمبراطورية الإعلامية الغربية وذيولها في المنطقة. كما أنّها تحتاج إلى إنترنيت وإعلام خاص بها لتحصين بلدها المتنوع الطوائف والقوميات تماماً مثلما تفعل الصين حالياً حيث أغلقت المنافذ التي يتسلل منها الأعداء إلى مجتمعها.
رابعاً: إنّ الاضطرابات والفوضى وأعمال القتل والتخريب حسب التسمية الرسمية الإيرانية، والتظاهرات والاحتجاجات كما يسميها أعداء النظام الإسلام كانت قليلة جداً إذا ما قيست للتظاهرات المليونية المؤيدة للنظام الإسلامي ، لكن الإعلام المعادي للجمهورية الإسلامية إستطاع أن يتفوق في صناعة الأحداث وتجييرها لصالحه، وقام بإنتاج كثير من المقاطع المفبركة وإرسالها إلى الخارج على أنها من داخل إيران حتى أن بعض تلك التظاهرات حصلت قبل ما يقرب من خمسة عشر عاماً أو أكثر لكن تم تسويقها إعلامياً على أنها حصلت في هذه الأيام .
خامساً: من الملاحظات أن بعض الأموات في إيران عادوا إلى الحياة، فالإعلام المدعوم أمريكياً وصهيونياً مثل ( إيران انترنشيونال) و( من وتو) وغيرهما يأتي على ذكر أسماء بعض الأشخاص وينشر صورهم على أنهم قتلوا في الإضطرابات والفوضى الأخيرة، لكن الإعلام والقنوات الرسمية للجمهورية الإسلامية فضحت هذا الكذب حيث نشروا المقاطع الخبرية لتلك القنوات المعادية، ومن ثم ذهبوا إلى الأشخاص الذين قالوا أنّهم قتلهم النظام، وعقدوا معهم لقاءات إعلامية ونفوا صحة تلك الشائعات، وكأمثلة على ذلك : أحدهم يدعى علي خاني من مدينة قم نشروا على أنّه تم قتله من قبل أجهزة النظام، لكن ذلك كان بهتاناً وزورا، وقد أخذ أهله وأقربائه وأصدقائه يتصلون به ويمازحونه: (البقية بحياتك متى نأتي لقرائة الفاتحة على روحك الطاهره ) ومثال آخر: ( أمير عباس من أهالي مشهد وعمره 17 عاماً وقد أخذوا صورته من بروفايل بعض مواقع التواصل الإجتماعي)، ومثال ثالث : ( رسول محمد غلام علي بياتي) وغيرهم .
وهناك بعض الأشخاص قد أدركهم الموت بحوادث مرورية وفي تواريخ سابقة على تاريخ الإضطرابات، لكن الإعلام المعادي الذي يمتهن الدجل نشر على أنهم قتلهم النظام مثل ( محمد مهدي إسماعيلي الكاشاني) حيث كان تاريخ وفاته سابق على الإضطرابات وقد تم تدوينه على حجر الجرانيت الأسود .
سادساً: أظن أن الزيارات والسفر من قبل بعض الأشخاص – إذا لم يكن في البين ترتيب ووقت مسبق للزيارة – إلى إيران أو أي بلد تحصل فيه الاضطرابات تشير إلى وجود علامات أمنية؛ فقد تكون تلك الزيارات استكشافية واستطلاعية أو غير ذلك .
سابعاً: أثبتت الأحداث المعاصرة في أكثر من بلد تم تغيير النظام فيه إلى أن ذلك البلد تحصل فيه اضطرابات تؤدي إلى إراقة الدماء ، واضعافه ، وتجزئته، وسرقة ثرواته. هذا لا يعني أبداً أفضلية تلك الأنظمة الظالمة والفاسدة بقدر ما يعني الإنتقال إلى نظام جديد متعدد المراكز والقوى ، ويسهل ركوب وتوجيه بعضها ضد بعضها الآخر.
ثامناً: لأمريكا وإسرائيل اليد الطولى في صناعة تلك التظاهرات، وربما شاهد اكثرنا تصريحات الرئيس ترامب ودعمه للمتظاهرين، أو مفاد تصريحات وزير الخزانة بأنّ أمريكا أحدثت زلزالاً في إيران ولم تطلق رصاصة واحدة .
تاسعاً: أظن أن على الديبلوماسية الإيرانية أن تمارس نشاطاً آخر في إبلاغ سفاراتها لدعوة الإعلاميين في تلك البلدان واطلاعهم بحيثيات المؤامرة التي تقودها أمريكا من الخلف كما أن على وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية دعوة سفراء الدول الإسلامية والأجنبية لمشاهدة التظاهرات المليونية المؤيدة للنظام الإسلامي في ذكرى إنتصار الثورة الإسلامية في الأسبوع القادم، وأتمنى أن يتم مشاهدتها عن حس مباشرة جواً. وأتمنى أيضاً على وزارتي التربية والتعليم في الجمهورية الإسلامية إقامة المعارض الفنية في المدارس والجامعات لمشاهدة التخريب الذي طال المدارس والمساجد والمكتبات العامة والتخصصية وحافلات نقل الركاب والدوائر الخدمية وغيره .
عاشراً: الجماعات والتنظيمات التي تعاملت مع أمريكا وإسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر والتي تقف وراء الإضطرابات الأخيرة في إيران هي : 1ـ جمعية الملكية الإيرانية. 2ـ منظمة مجاهدي خلق أو (مجاهدي الشعب). 3ـ الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني 4ـ حزب كومله الكردستاني الإيراني 5ـ حزب التضامن القومي البلوجستاني 6 ـ جيش العدل ( الداعشي). 7ـ حركة النضال العربي لتحرير الأحواز .
هذه الجهات الأصلية والتي قد تتحد في مرحلة معارضة النظام الإسلامي، لكنها ستتقاسم النفوذ والسلطة والجغرافية فيما لو قيض لها التربع على السلطة .
إحدى عشر: في أثناء الاضطرابات ضبطت إيران كثير من الأسلحة النارية؛ وعلى سبيل المثال في لرستان تم ضبط ( 3000) سلاح أي (مسدس وبندقية وقناص ورمانات يدوية)، وفي تبريز تم ضبط (220) بندقية رشاش مختلفة مضافاً إلى بعض المسدسات، وفي بوشهر اكتشفوا ( 60) ألف من الأسلحة عبارة عن ( مسدسات من عيارات مختلفة ، بندقيات رشاشة ، رمانات يدوية ، بنادق قنص، بنادق صچم رصاص) وهكذا لبعض المحافظات والمدن. ومعنى هذا أن حدود إيران من الشمال والشمال الغربي، والجنوب والجنوب الغربي، والشرق والجنوب الشرقي لإيران كانت عرضة للإختراق من قبل المافيات التي لا تترك أثراً على أنها ذات صلة بالأجهزة الأمنية لبعض الدول.
وقد اكتشفت إيران أنّ هناك من يقوم بنقل الأسلحة من خارج حدودها إلى الداخل، وجماعات تقوم بتخزينها، وآخرين يقومون بتوزيعها على الأفراد المعارضين للنظام.
إثنا عشر: في التظاهرات أو الأعمال التخريبية استخدمت بعض المقاهي للتجمعات وللأعمال بحيث تم تحديد ( 60 مقهى) تدار منها بعض الأعمال، كما اشترك بعض أصحاب المصانع في تحريض العمال والموظفين، وهذا الأمر ربما يثير السؤال عن مصدر الأصول المالية لأولئك الأفراد، ولماذا تضخمت بشكل لافت، ومن ثم صرفها على المعارضين.
ثالث عشر: المعروف أن التظاهرات السلمية يخرج أصحابها بترخيص رسمي أو غير رسمي كما في كثير من الدول وفي وضح النهار مع عدم حمل الأسلحة النارية أو البيضاء، لكن عندما ظهرت التجمعات في إيران اتخذوا من الليل واللثام ستاراً، وحملوا معهم السيوف والسكاكين والمسدسات والبنادق الرشاشة ، وهذا يعني قهراً أن تلك التجمهرات ليست سلمية بل هي تجمهرات محاربة للنظام.
رابع عشر : النظام الإسلامي في إيران لم يقع في الفخ الذي وقعت فيه كثير من أنظمة المنطقة، حيث أخذت الأجهزة الأمنية مواقعها في رصد كل حركة تصدر وتحت الأنظار المباشرة، واستخدمت عدسات المراقبة الثابتة والمتحركة أرضاً وجواً، وتم تحديد هوية الأشخاص بدقة احترافية. وقد وقعت عمليات قتل كثير في صفوف الموالين للنظام ، ولا أستبعد وجود طرف ثالث كان يمارس عمليات القتل، وهذا الموضوع يحتاج إلى تحقيق ميداني عميق ودقيق.
خامس عاشر: النظام الإسلامي في إيران كان ذكياً، عندما شدد أوامره على أجهزته الأمنية بعدم إطلاق الرصاص، وهذا الأمر جعلهم ضحية للأعمال الإرهابية حيث قتل ( 690) من ضباط ومراتب الشرطة الأمر الذي خلق تعاطفاً شعبياً مع الأجهزة الأمنية، وأتمثل قول أمير المؤمنين ( عليه السلام) « ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي» . إنّ هذا العدد الكبير في شهداء الشرطة يشير إلى الإستهداف للأجهزة الأمنية تماماً مثلما فعل الكيان الصهيوني عندما هاجم إيران في حرب الـ (12) يوماً؛ فقد استهدف مراكز الشرطة والجيش والأمن من أجل خلق الفوضى فيها .
سادس عشر: كما أشرنا في التسلسل ( رابعا) كانت التجمهرات قليلة وعددها لا يساوي شيء إذا ما قيس إلى عدد المتظاهرين المؤيدين للنظام، لكن تلك القلة المعارضة كانت تقوم بأعمال القتل والتخريب مما أحدث لها أثراً إعلامياً حتى أن تلك الأعمال تجاوزت ما قام به الكيان الصهيوني من الخسائر بالأرواح في حرب الإثني عشر يوماً حيث بلغت الخسائر بالأرواح ( 1062) شهيد ، بينما كان عدد الشهداء والقتلى الذين أزهقت أرواحهم من قبل الارهابيين والمخربين في إيران خلال يومين (3117) وقد تم تحديد هوية (2986) منهم؛ هذا ناهيك عن أعداد الجرحى والخ
سائر في الممتلكات الحكومية والمدنية .
سابع عشر: عمليات القتل والتخريب في إيران تشبه إلى حد بعيد أعمال القتل الوحشية التي قامت بها داعش الإرهابية في بعض البلدان؛ فمثلاً بعض الشرطة والناس الذين تم قتلهم من قبل الإرهابيين وجدوا فيهم أكثر من ثلاثين طعنة، والطعنات نالت من أجسادهم وأحدثت حفراً دونها الحفر التي تحدثها أنياب الحيوانات المتوحشة في فريستها، وعندما شاهدنا بعض المقاطع؛ تذكرت الروايات التي تتحدث عن الطعنات التي وجدوها في جسد المولى أبي عبدالله عليه السلام والتي يقول بعضها وجدوا في جبته « ثلاثة وستين ما بين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح، أو رمية بالسهم».
وبعض الضحايا بعد أن نهشت في أجسادهم السكاكين والسيوف قاموا بإحراقها، ولم يتركوا لهم من أثر سوى الرماد والعظام المتفحمة. إنّها المدرسة الأمنية الأجنبية التي روجت للحساسيات المذهبية والقومية، والتي تجيد خلق الحواجز بين أبناء الوطن الواحد أو بين شعوب المنطقة.
إنّه استدعاء من أعماق التاريخ لذلك الغل المستكن وافراغه على أولئك الضحايا. ولايدرك ذلك الألم الممض إلا صاحبه أو أهله أو أصدقائه .
ثامن عشر: ذكر علي أكبر جمشيديان ـ سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني عدد الخسائر في الممتلكات وبالأرقام مثل: حرق 305 سيارة أسعاف وحافلة نقل ركاب، وحرق 700 محل ودكان للبيع والشراء لعامة الناس، وتخريب وتدمير 200 مدرسة ، وحرق عشرات المكتبات التي تحتوي على كتب نفيسة و..و..الخ .
هذه الخسائر تشير إلى حجم الهجمة الهمجية الشرسة، لكن لا بد من التحقق من صحة الأرقام ؛ فقد يستغل هذه الخسائر بعض الناس ويقوم بتضخيم الأرقام للإستفادة الشخصية و« مصائب قوم عند قوم فوائد ».
بتصوري المتواضع إنّ هذه الإضطرابات لن تكون الأخيرة وسيكرر الأعداء جولاتهم مستقبلاً، وعليها أن تضع خططها وبرامجها لتحصين مجتمعها ثقافياً وأمنياً، وتحسين أوضاعه المعيشية لاسيما وأنها تمتلك إقتصاداً متنوعاً وكبيراً، وجغرافية جيوسياسية إستثنائية، وأظن أن العقل الإيراني سينظر إلى ذلك بعيون جديدة.
زر الذهاب إلى الأعلى