الرئيسيةالمقالات

حين يخسر الخطاب قبل الصندوق

حين يخسر الخطاب قبل الصندوق

حيدر السعد

مع اعلان نتائج انتخابات نقابة الصحفيين العراقيين الاخيرة، لم تتوقف تداعيات المشهد عند حدود الاسماء الفائزة، بل امتدت الى اختبار اكثر حساسية يتعلق بنضج الخطاب بعد الخسارة. اختبار اخفق فيه بعض الاصوات التي اختارت استبدال التحليل المهني بمحاولات التشكيك، وتوجيه سهامها نحو صحفيي المحافظات، وكأن الجغرافيا اصبحت شماعة لنتائج لم تأت وفق التوقعات.

العملية الانتخابية التي جرت ضمن اطر قانونية وبمشاركة واسعة من الزملاء الصحفيين، اعادت تثبيت معادلة باتت واضحة: الثقل النقابي يقاس بالحضور الحقيقي والعمل المتراكم، لا بارتفاع النبرة بعد اعلان النتائج. الصندوق قال كلمته، ومنطقه كان ابعد ما يكون عن العاطفة او المجاملة.

في هذا المشهد، لم يظهر صحفيو المحافظات كطرف طارئ او كتلة تصويتية موسمية، بل كعنصر توازن مهني فرض نفسه عبر سنوات من العمل الميداني. اقلامهم وعدساتهم لم تكن بعيدة عن خطوط النار، ولم تتعامل مع الخبر بوصفه ترفا، بل مسؤولية دفعت اثمانها من الامن والحياة والاستقرار.

ولا يمكن عزل هذا الدور عن جذوره الاوسع، فالمحافظات التي ينتمي اليها هؤلاء الصحفيون ليست هامشا في تاريخ الدولة ولا هامشا في حاضرها. هي الامتداد الاول لفكرة التنظيم والقانون، من سومر واكد، وصولا الى صحافة واجهت الطغيان والاحتلال والارتباك السياسي بخطاب مهني في اكثر اللحظات تعقيدا.

ان الخطاب الذي لجأ الى التقليل من شأن صحفيي المحافظات بعد الخسارة، لا يعبر عن موقف نقدي بقدر ما يكشف ضيقا في الرؤية وعجزا عن اجراء مراجعة داخلية للبرامج والادوات. وهو خطاب يعكس قطيعة مع التحولات داخل الوسط الصحفي، حيث اصبح الناخب اكثر وعيا، واقل قابلية للانخداع بالشعارات المرتفعة بلا مضمون.

وتؤكد هذه التجربة ان النقابة لا تعاد صياغتها بالضجيج، ولا تستعاد عبر استهداف الاخرين، بل تبنى بمشروع مهني قادر على المنافسة داخل الصندوق واحترام نتائجه خارجه. اما من يختار البقاء اسير خطاب ما بعد الخسارة، فانه يخسر مرتين: مرة في الانتخابات، ومرة في اختبار المهنية.

في المحصلة، لم يكن ما جرى مجرد سباق اصوات، بل فرزا واضحا بين من يفهم العمل النقابي بوصفه مسؤولية، ومن يتعامل معه بوصفه منبرا مؤقتا. المهنة واحدة، والجغرافيا متعددة، والفيصل سيبقى الاداء، لا الضجيج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار