الرئيسيةعربي ودولي

الإمبريالية: النشأة، الأهداف، وهيمنة القوى الكبرى على الشعوب

الإمبريالية: النشأة، الأهداف، وهيمنة القوى الكبرى على الشعوب

أحلام الصوفي

في تاريخ البشرية، لم تكن الهيمنة والسيطرة مجرد طموحات عسكرية أو سياسية، بل تحوّلت إلى منظومات فكرية واقتصادية معقدة، تجلّت بوضوح فيما يعرف بالإمبريالية. لقد نشأت الإمبريالية كامتداد لروح الاستعمار، لكنها أخذت أشكالًا أكثر تطورًا ودهاءً، تستغل فيها الدول القوية أدوات غير عسكرية، مثل الاقتصاد، الثقافة، والتكنولوجيا، للهيمنة على مقدرات الشعوب الضعيفة.

نشأة الإمبريالية

بدأت بوادر الإمبريالية مع توسّع الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى في القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع انطلاق ما يعرف بعصر الاكتشافات الجغرافية، حيث اندفعت دول مثل بريطانيا، فرنسا، إسبانيا والبرتغال للسيطرة على أراضٍ في إفريقيا، آسيا، والأمريكيتين. لم يكن الدافع فقط اقتصاديًا، بل كانت هناك مبررات “حضارية” مزعومة، مثل نشر الدين أو “تمدين” الشعوب.

في القرن التاسع عشر، بلغت الإمبريالية أوجها مع الثورة الصناعية، إذ احتاجت القوى الأوروبية إلى أسواق جديدة، وموارد خام رخيصة، وأيدٍ عاملة وفيرة، فاندفعت نحو استعمار مباشر وممنهج لدول الجنوب، خاصة في إفريقيا وآسيا.

أهداف الإمبريالية

رغم تغيّر أساليبها، بقيت أهداف الإمبريالية ثابتة تقريبًا:

1. الهيمنة الاقتصادية: عبر السيطرة على الموارد الطبيعية، الأسواق، وتوجيه الإنتاج العالمي لخدمة مصالح القوى الكبرى.

2. التوسع السياسي والعسكري: لبناء نفوذ جيوسياسي يعزز من مكانة الدولة الإمبريالية في النظام العالمي.
3. الهيمنة الثقافية: من خلال فرض اللغة، النموذج الثقافي، والقيم الغربية باعتبارها النموذج “الأرقى”.
4. إضعاف الهوية الوطنية للشعوب المُستهدفة: حتى يسهل التحكم بها وتفتيتها عند الحاجة.

طرق الهيمنة الإمبريالية الحديثة

تحوّلت الإمبريالية اليوم من استعمار مباشر إلى استعمار ناعم أو غير مرئي، يُمارَس بوسائل حديثة مثل:

– الشركات متعددة الجنسيات التي تستغل ضعف البنية الاقتصادية في دول الجنوب لتنهب ثرواتها بأغطية “استثمارية”.
– القروض والديون، حيث تُجبر الدول النامية على الخضوع لشروط اقتصادية مجحفة من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، ما يجعل قرارها السيادي مرتهنًا للخارج.
– الغزو الثقافي والإعلامي، عبر الأفلام، الموسيقى، ومواقع التواصل التي تروّج لنمط حياة استهلاكي غربي يُفرغ المجتمعات من هويتها.
– التحكم بالتكنولوجيا والمعرفة، من خلال احتكار التكنولوجيا، والتحكم بالمعلومات، وتهميش البحوث المستقلة في دول الجنوب.
– التحالفات العسكرية مثل الناتو، أو إقامة قواعد عسكرية في الدول الضعيفة بذريعة الحماية.

الإمبريالية والعالم العربي

يعدّ العالم العربي من أكثر المناطق التي عانت من الإمبريالية، بدءًا من الاستعمار البريطاني والفرنسي، مرورًا بالهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى التدخلات المباشرة وغير المباشرة في شؤون دول مثل العراق، سوريا، ليبيا، واليمن. وقد اتخذت الهيمنة هنا أشكالًا عسكرية، اقتصادية، وحتى دينية وطائفية، لإبقاء المنطقة في حالة صراع دائم
الإمبريالية ليست مجرد مصطلح تاريخي، بل واقع حيّ ومستمر. صحيح أن أساليبها تغيّرت، لكنها ما زالت تسعى للهيمنة على الشعوب من خلال أدوات ناعمة وذكية. والمطلوب اليوم ليس فقط الوعي بخطورتها، بل بناء استقلال اقتصادي وثقافي حقيقي، يعيد للشعوب كرامتها، وللعالم توازنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار