الرئيسيةالمقالات

صدى الخواء: مفارقة “الحُبّ” والمليارات الضائعة

صدى الخواء: مفارقة “الحُبّ” والمليارات الضائعة

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

​تختزل حكاية الأعرابي الذي وضع رأسه في “الحُبّ” الفخاري ليطرب لصدى صوته، مشهداً سريالياً يتكرر اليوم في أروقة القرار الاقتصادي العراقي لعام 2026، حيث يبدو أن السلطة قد استمرأت الغناء داخل إناء معزول، تسمع فيه صدى وعودها “الإصلاحية” وكأنها إنجازات تاريخية، بينما الحقيقة في الخارج هي فراغ موحش وجيوب خاوية. إن المفارقة الصادمة التي يواجهها الضمير العراقي تكمن في أن الجهات التي تتصدر اليوم مشهد “الإنقاذ” وتحاول تسويق حلول تقشفية للمواطن، هي ذاتها التي أدارت دفة المال حين كانت الخزائن تفيض بوفرة تجاوزت مئة مليار دولار، وحين رُصدت موازنات انفجارية فاقت الخمسمائة مليار دولار خلال ثلاث سنوات فقط. هذا الحجم المهول من الثروة، الذي كان كافياً لبناء دول من الصفر، تبخر في فضاءات الإدارة المربكة والفساد البنيوي، دون أن يلمس المواطن تحولاً حقيقياً في بنية التحتية أو تنويعاً في مصادر الدخل، بل استيقظ المجتمع العراقي والدولي على حقيقة مريرة مؤداها أن الفائض قد ضاع، والخزينة قد استنزفت، والموازنات تلاشت دون أثر باقٍ. والآن، وبذات الأدوات والوجوه، يُراد للشعب أن يصدق أن “صوت” الإصلاح قد أصبح رخيماً وجميلاً، في محاولة يائسة لترميم ما أفسدته تلك السنوات العجاف؛ غير أن الحقيقة التي لا تحجبها الشعارات هي أن من عجز عن استثمار “الفيض” لا يمكنه أن يدير “الشحة”، وأن الإصرار على البقاء داخل “الحُب” لسماع صدى الذات هو انفصال تام عن الواقع المفتوح على الأزمات. لقد انكسر الإناء وضاع الماء، ولم يعد صدى الغناء داخل جدران الفخار قادراً على إخفاء حقيقة أن من بدد المليارات وهو يغني لنفسه، لا يملك اليوم سوى وعود مكررة لن تسمن ولن تغني من جوع في مواجهة ريح الواقع العاتية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار