التقاريرالرئيسية

الحوزة العلمية (ألف عام من التأسيس القسري إلى مأزق الحياد)

الحوزة العلمية (ألف عام من التأسيس القسري إلى مأزق الحياد)

إعداد/ عدنان صگر الخليفه

​المقدمة: التأسيس بين الضرورة والمنهج
​تمثل الحوزة العلمية في النجف الأشرف، التي أسسها الشيخ الطوسي (ت 460هـ) قبل قرابة ألف عام، أقدم مؤسسة علمية مستمرة للمذهب الشيعي الإمامي. إن دراسة مسار هذه المؤسسة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي تحليل لـ “فقه البقاء” الذي حكم مسيرتها الطويلة. ينطلق هذا البحث من تساؤل مركزي: كيف تحولت استراتيجية النجاة المؤسسية التي أسسها الطوسي إلى “حياد سياسي” في العصر الحديث، وما هي تداعيات ذلك على مفهوم العدل في منهج أهل البيت؟ تؤسس هذه الدراسة فرضيتها على أن انتقال زعامة المؤسسة إلى قيادات غير عربية لم يكن نتاج فراغ عقلي أو قصور في الكفاءة لدى العلماء العرب، بل كان نتيجة قسر سياسي واضطرار أمني أدى إلى تبني استراتيجية البقاء المؤسسي كهدف أسمى، حتى لو كان الثمن هو عدم التدخل المباشر في شؤون الحكم. وقد التزم البحث بمبدأ الحياد المنهجي والعقلي في تحليل هذه المفارقات التاريخية والسياسية.
​الفصل الأول: التأسيس القسري.. وراثة العلوم لا العرق
​إن تحليل ظروف نشأة الحوزة في النجف يكشف عن كونها مشروعًا مؤسسيًا تأسس في ظل أقصى درجات الضغط السياسي، مما يفسر تركيبة قيادتها.
​المبحث الأول: استبعاد القيادات العربية كضرورة أمنية
​تاريخياً، كان الاستهداف الأمني والسياسي الذي مارسته السلطات العباسية موجهاً بحدة ضد كل من يمثل امتداداً لذرية الأئمة أو حاملاً لمنهجهم الفقهي من الأصول العربية. كان أي عالم عربي يُعلن عن نفسه كمرجع وزعيم لمدرسة فقهية في بغداد يمثل خطراً مزدوجاً على السلطة، يجمع بين البعد الديني والسياسي. أدت هذه الملاحقات إلى أن كل محاولة لتأسيس مرجعية مؤسسية كبرى من قبل علماء عرب سابقين كان مصيرها الفشل أو التفكك السريع بسبب ضغط السلطة. وبذلك، فإن عدم تزعم العرب لم يكن قصوراً ذاتياً، بل نتيجة استبعاد قسري ممنهج منعهم من إنشاء المؤسسة.
​المبحث الثاني: تأسيس الطوسي كخيار نجاة واستدامة
​جاء تأسيس الشيخ الطوسي للحوزة كمشروع مؤسسي متكامل؛ فقد استفاد أولاً من الدعم السياسي الذي وفرته الدولة البويهية ليعتلي “كرسي الكلام” في بغداد، وهو ما منحه الشرعية المؤسسية الأولية. غير أن إدراك الطوسي لخطر ربط المرجعية بمركز السلطة، خاصة بعد وصول السلاجقة وما تبعه من فتنة طائفية، جعله يتخذ قرار الهجرة إلى النجف لإنشاء “حصن دائم” مستقل عن عواصم الحكم المتغيرة. إن قبول الزعامة غير العربية (الطوسي من أصول فارسية) كان في ذلك الوقت ضرورة أمنية ضمنت بقاء المنهج. لقد نجح الطوسي في تثبيت المنهج الفقهي الهاشمي في شكل مؤسسة غير عربية القيادة، لتكون هذه المؤسسة بديلاً اضطرارياً ووريثاً ناجياً لعلوم أهل البيت، وهو ما يمثل انتصاراً للمنهج العلمي على القومية العرقية.
​الفصل الثاني: الحياد في العصر الحديث.. استراتيجية البقاء في وجه الأنظمة
​في القرنين الأخيرين، استمر هذا المبدأ ليصبح منهجاً ثابتاً في التعامل مع الأنظمة القومية في العراق، مما رسخ استقرار القيادة الأعجمية.
​المبحث الأول: استمرار استهداف القيادات الوطنية
​تكرر سيناريو الاستهداف في ظل الأنظمة العراقية الحديثة، حيث تعرض المراجع والقيادات التي حملت الجنسية العراقية والعربية للاضطهاد أو الاغتيال. والسبب هو استمرار خوف السلطة من الخطر المزدوج الذي يمثله المرجع القادر على التعبئة الوطنية.
​المبحث الثاني: القيادة الأعجمية وفقه الضرورات
​أدى هذا القسر السياسي إلى استقرار القيادة في يد علماء من أصول غير عربية، حيث كان يُنظر إليهم على أنهم أقل تهديداً مباشراً للسلطة. وعليه، فإن التحليل العقلي يقود إلى نتيجة حتمية مفادها أن المؤسسة العلمية في النجف أصبحت مُسيَّرة وليست مُخيَّرة في تحديد قيادتها، إذ تحول التزام القيادة بالحياد السياسي إلى الضامن الوحيد لاستمرارها وعدم انهيارها أمام السلطات المتعاقبة.
​الفصل الثالث: أزمة “الدين المعاملة”.. بين التوجيه والمسؤولية
​بعد عام 2003، واجهت المرجعية تحدي الفساد المستشري تحت نظام “المحاصصة”، مما أوجد تناقضاً بين المنهج النظري (العدل) والممارسة السياسية (الواقع الفاسد).
​المبحث الأول: حدود التدخل وميزان المفسدة الأعظم
​تقر المرجعية بمبادئ العدل (الدين المعاملة) ومسؤولية الحكام (وقفوهم إنهم مسؤولون). ومع ذلك، فإن تطبيق واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخضع لـ فقه الضرورات (قاعدة درء المفاسد). ترى المرجعية أن المواجهة المباشرة ضد السلطة تعني حرباً أهلية شاملة وتدمير الدولة، وهي مفسدة أعظم من الفساد القائم، وهو ما يمنع إصدار فتوى تحريم أو مواجهة مباشرة ضد الطبقة الفاسدة. وعلى النقيض من ذلك، كانت فتوى الجهاد الكفائي عام 2014 تطبيقاً خالصاً لـ جهاد الدفاع لدرء مفسدة وجودية محققة (زوال الدولة) من عدو خارجي، وهو استثناء لا يُقاس عليه في مواجهة الفساد الداخلي.
​المبحث الثاني: النتيجة الكارثية: “تمور العبد” السياسية
​أدى هذا الحياد الحذر إلى نتيجة عملية كارثية؛ حيث قامت المرجعية بـ إبراء ذمتها شرعياً عبر توجيه الشعب بـ “البحث عن الأصلح”، لكنها تركت مسؤولية إنهاء الظلم على عاتق الشعب. والمواطن العراقي وجد نفسه في مأزق “تمور العبد”: مجبراً على الاختيار بين المقاطعة (التي تخدم استمرار الفاسدين) أو انتخاب الأسوأ (أكل التمر المدنس) بسبب القوانين التي وضعها الفاسدون. وهذا يثبت أن الحياد أدى إلى تثبيت النظام السياسي القائم ومنحه غطاءً أخلاقياً ضعيفاً يمنع سقوطه، مع بقاء الفساد.
​الخاتمة: المرجعية.. حصن المذهب وسقف السياسة
​لقد أثبت هذا البحث أن تأسيس المرجعية في النجف لم يكن عن فراغ، بل عن ضرورة وجودية أملتها الظروف السياسية القمعية. إن نجاح المؤسسة في مهمتها الأولى وهي الحفاظ على علوم أهل البيت كـ مخزون للعدل، يعود إلى استراتيجية الفصل عن السلطة. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في أن استراتيجية البقاء المؤسسي تتعارض الآن مع واجب التغيير والتطبيق للمبادئ التي تحملها (العدل والمساواة). إن التحرير الحقيقي من الفساد لن يتم إلا بتحويل التوجيه الأخلاقي للمرجعية إلى فعل سياسي مُنظَّم وقادر على المنافسة من قبل الشعب. فالمؤسسة الدينية ترفض أن تكون الحاكم التنفيذي لكنها ستظل المرجع الأخلاقي الأعلى الذي يحدد سقف المقبول والمرفوض في سياسة الدولة. إن ألفية تأسيس الحوزة هي دعوة للتأمل في ثمن البقاء، والمسؤولية الملقاة الآن على عاتق الشعب لتغيير الواقع الفاسد عبر الأدوات السلمية المتاحة، لإنقاذ ما تبقى من “تمور الوطن” قبل أن يطالها التدنيس الكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار