الرئيسيةالمقالات

المواطنة المُنتهكة والوطن المنهوب: عقدان من السيطرة الحزبية وأوهام “اختيار الأصلح” في العراق

المواطنة المُنتهكة والوطن المنهوب: عقدان من السيطرة الحزبية وأوهام “اختيار الأصلح” في العراق

بقلم/ عدنان صگر الخليفه

​مرت أكثر من اثنين وعشرين عاماً على تأسيس النظام السياسي الجديد في العراق بعد عام 2003، وهي مدة كافية لبناء دول لا مجرد دولة، وتغيير واقع حياة بأكمله. لكن الواقع يثبت أن هذه السنوات لم تُكرَّس لبناء دولة المواطنة الموعودة، بل لتثبيت سيطرة ونفوذ الأحزاب المتحكمة، والتي عملت على تفكيك مفهوم المواطنة نفسه. المشكلة اليوم لم تعد في “الفشل” العرضي، بل في “برنامج ممنهج للسيطرة” جعل المواطن يشعر بانتهاك وطنيته ونهب وطنه. لقد تحولت وظيفة الدولة من خدمة المواطن إلى خدمة استدامة الأحزاب، حيث يُفرض على المواطن عقد اجتماعي مزيف: واجبات أحادية الطرف بلا حقوق. الحقوق الأساسية (الأمن، الخدمات، فرص العمل) لم تعد تُقدَّم كالتزام دستوري، بل تُستخدم كـمَكْرُمات أو مِنَن تُمنح عبر الولاء الحزبي أو الفصائلي، مما يحوّل المواطن من صاحب حق إلى تابع يُجبر على البحث عن وساطة لنيل ما هو ملك له. في المقابل، يُطالب المواطن بالولاء الصامت، والتضحية والدفاع، والامتثال للقوانين، في الوقت الذي يرى فيه أن المتنفذين لا يمتثلون لأي قانون. هذا التناقض يدمر الإيمان بالوطن، ويجعل الوطنية مجرد شعار أجوف.
​إن الفساد وسرقة مقدرات العراق ليس فشلاً إدارياً، بل هو الآلية الفعلية التي اعتمدتها هذه الأحزاب لضمان بقائها. هذا النهب الجماعي يشكل عقداً ضمنياً غير مكتوب بين الكتل على عدم محاسبة بعضها البعض، مما يضمن استمرار نظام المحاصصة وتوزيع الغنائم، ويؤكد أن الأولوية هي تمويل النفوذ الحزبي بالمليارات المنهوبة وليس بناء العراق اقتصادياً أو أخلاقياً. والدليل الصارخ على أن هذه الأحزاب لا تريد البناء هو إصرارها على إبقاء منظومة الفساد كما هي، لأنها مصدر قوتها. في ظل هذا المشهد، تخرج علينا نفس هذه الأحزاب التي حكمت ونهبت لأكثر من عقدين لتطالب المواطن بـ*”اختيار الأصلح”*. هذه الدعوة تمثل قمة الاستلاب السياسي وتهدف إلى حصر الخيارات ضمن دائرة الفاسدين أنفسهم، وتجميل الوجوه المتورطة بعباءة “الإصلاح المتاح”. إنها محاولة لإيهام المواطن بوجود خيار، بينما النظام برمته يعطّل عمل الكفاءات المستقلة ويُقصي الشخصيات النزيهة لضمان استمرار نفس شخوص السيطرة. إن مطالبة المواطن باختيار من ساهم في نهب وطنه باعتباره “الأصلح” هو تدمير للوعي الأخلاقي والسياسي. استرداد الوطن لا يبدأ إلا باسترداد المواطنة، وهذا لن يتحقق إلا برفض منطق “الأصلح من الفاسدين”، وتوجيه صوت المواطن لدعم القوى المستقلة العابرة للانتماءات، وممارسة حق المساءلة والمحاسبة لكسر هذا العقد الضمني للفساد وإعادة بناء الثقة بالدولة ككيان سيادي خادم للشعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار