الثورة بين الحلم والخيبة: قراءة نقدية لمسار سبتمبر
محمد علي اللوزي
علينا أن نعترف، وبقدر كبير من الشجاعة، أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر – على عظمة حدثها التاريخي – قد وجدت نفسها ردحاً من الزمن في غياب معلن عن أهدافها الخالدة، وأن ما جرى بعد اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي تحديدا قدشكّل نقطة انكسار كبرى في مسارها. فالثورة التي حملت معها بشائر النهوض والتحرر والاستقلال الوطني، سرعان ما تعرضت لأكثر من مؤامرة، داخلية وخارجية، بفعل قوى انتهازية رأت فيها فرصة للهيمنة والاستحواذ، لا مشروعاً للتحرير والبناء.
لقد كان الحمدي يمثل لحظة استثنائية في تاريخ اليمن الحديث؛ لحظة اقتران الفعل الثوري بروح الدولة المدنية وممكنات النهوض. كان مشروعه يسعى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الوطن، وإلى بناء دولة مؤسسات لا تقاس فيها القيمة بالانتماءات الضيقة ولا تُقاس فيها الكرامة بمدى القرب من السلطة، بل بمدى الانتماء للفكرة الوطنية الجامعة. غير أن رصاصات الغدر لم تقتل الحمدي وحده، بل استهدفت أيضاً الحلم الذي حملته الثورة، ليبدأ عهد جديد من القهرية الإضافية التي سرعان ما أجهضت ينابيع التجديد وأعادت إنتاج بنى التخلف.
وهنا نقول: لا يمكن قراءة مسار الثورة بمعزل عن التدخلات الخارجية، ولا سيما ارتهان بعض القوى المحلية لقوى البترودولار. فبدلاً من أن تسير الثورة على هدى قواها النضالية التي غيرت مجرى التاريخ، وجدت نفسها أسيرة حسابات إقليمية جعلت القرار الوطني في كثير من الأحيان مرهوناً لمصالح غير يمنية. وبهذا، تحولت الثورة من مشروع تحرر إلى أداة في صراع نفوذ إقليمي، وتآكلت مضامينها في ظل حسابات القوة والمال.
وتدريجياً، صار سبتمبر المجد الذي استنهض الوعي اليمني ذات يوم، مجرد ذكرى خافتة تُستحضر في المناسبات، بينما غابت روحه الفاعلة عن الحياة اليومية. القوى المتمصلحة التي وجدت في الثورة وسيلة للصعود والسيطرة، عملت على تفريغها من مضمونها، لتصبح أقرب إلى طقس بروتوكولي لا علاقة له بجوهر التغيير. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للثورة أن تتحول إلى مجرد ماضٍ يستعاد، بدلاً من أن تكون مشروعاً مستقبلياً يتجدد؟
إن ممارسة النقد لمسار الثورة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ثورة حقيقية بحد ذاتها، ووفاء صادق لدماء الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل أن يحيا هذا الشعب حياة كريمة. النقد هو الذي يعيد الاعتبار للثورة كقوة تغيير حيّة، وهو الذي يحميها من أن تتحول إلى مجرد أداة بيد قوى تبحث عن مصالحها الخاصة. وبدون هذا النقد، سيظل الخطاب الثوري أسيراً لصيغة انفعالية تتغنى بالماضي دون أن تطرح أسئلة الحاضر والمستقبل.
اليوم، وبعد عقود من التحولات، نحن بحاجة إلى قراءة عميقة لثورة سبتمبر، قراءة تخرجها من أسر التاريخ إلى فضاء المستقبل. هذه القراءة لا بد أن تقوم على:
تفكيك الأوهام: رفض التقديس الأعمى للسلطة التي حكمت باسم الثورة، وكشف لحظات الانحراف والخذلان.
استعادة المشروع الوطني: إعادة الاعتبار لقيمة الدولة المدنية العادلة التي حلم بها رواد الثورة.
تحصين الوعي: إدراك أن القوى الخارجية ستظل تسعى لاختطاف القرار الوطني ما لم يتحصن الوعي الجمعي بروح الاستقلال.
تجديد الفعل الثوري: تحويل الثورة من ذكرى عابرة إلى برنامج عمل يومي يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس من الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية.
على هذا الاساس الثورة ليست حدثاً عابراً وقع في ستينيات القرن الماضي، وليست مناسبة بروتوكولية نحتفي بها كل عام، بل هي مشروع مفتوح على الدوام، ينهض بقدر ما يُمارَس فيه النقد والتصحيح للمسار لتُستعاد فيه القيم المؤسسة له. إن دماء الشهداء الخالدين ستظل شاهدة على أن الثورة الحقيقية لا تموت، لكنها تنتظر أن يبعث روحها من جديد.
زر الذهاب إلى الأعلى