تعالوا إلى كلمة سواء
علاء الطائي
في خضم السجال المحتدم الذي يشهده الرأي العام العراقي تتصاعد الأصوات بين “مقاطِع” و”مشارِك” ويهيمن منطق “الكل أو لا شيء” على الحوار الوطني.. ولكن في قلب هذه العاصفة. يبرز سؤال مصيري:
هل من سبيل نرتقي فيه فوق منطق الاستقطاب إلى فضاء الحوار العقلاني الذي يحترم اطرنا المشتركة؟
المرجعية والدستور:
إطار للحل لا للصراع
لطالما شكلت نصائح ومواقف المرجعية الدينية العليا في العراق حائط صدٍّ معنوياً في أصعب اللحظات. ورغم كل الإخفاقات وخيبات الأمل الماضية التي يعاني منها المواطن فإن تأكيدها المتواصل على أهمية المشاركة ينبع من رؤية استشرافية. هذه الرؤية لا تنكر الواقع الأليم بل تنطلق من حقيقة مفادها أن العراق لا خيار له أمام هذه المنعطفات المصيرية إلا أن يبحث عن خلاصه داخل النظام السياسي القائم لا خارج إطاره.. المقاطعة الكاملة قد تفضي إلى فراغ دستوري وسياسي هو آخر ما يحتاجه بلدٌ يعاني من هشاشة مؤسسة تحديات وجودية.
وهنا يأتي دور الإطار الآخر الذي اتفقنا عليه جميعاً:
الدستور العراقي بكل ما فيه من ثغرات وإشكاليات قابلة للنقاش.. هو “كلمة السواء” التي نحتاج إلى العودة إليها.. النصوص الدستورية تؤسس لحق المشاركة كأساس لبناء الشرعية لكنها في الوقت ذاته لا تجرم حق الفرد في التعبير عن رأيه بمقاطعة الانتخابات كشكل من أشكال الاحتجاج السلمي.
الفردي والجماعي:
الفرق بين الحق والتحريض
وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب التوقف عندها:
· على المستوى الفردي:
مقاطعة الانتخابات هي تعبير عن رأي وموقف وهو حق شخصي مكفول دستورياً في إطار حرية التعبير.
إنه انعكاس لخيبة أمل مشروعة أو احتجاج على واقع معين.
· أما على المستوى الجماعي:
فإن التحريض العلني والممنهج على المقاطعة الشاملة هو أمر مختلف تماماً.. فهو لا يقتصر على ممارسة حق شخصي، بل يتحول إلى محاولة لـ”تعطيل الإرادة العامة” وإضعاف الشرعية الدستورية للنظام السياسي برمته مما يزيد من الاحتقان و يدفع البلاد نحو المجهول.. الدستور يحمي الحق الأول “الفردي” ولكنه لا يمنح المشروعية للثاني “التحريض الجماعي الهادف للتعطيل”.
الخلاصة:
الوحدة في مواجهة العاصفة
العراق اليوم على مفترق طرق خطير. التحديات الأمنية والإقليمية والاقتصادية التي تواجهه لا تحتمل فراغاً أو مزيداً من التشرذم.. اللحظة التاريخية تحتم علينا أن نتذكر أن الخلاف في الرأي لا يجب أن يفسد للود قضية وأن قاعدتنا المشتركة هي إنقاذ هذا الكيان الذي ننتمي إليه جميعاً.
إن الدعوة إلى المشاركة ليست تبريراً للواقع الفاسد أو تغطية على الإخفاقات بل هي دعوة إلى عدم التخلي عن آخر الأدوات السلمية للتغيير المتاحة وهي أدوات ناقصة ولكنها أفضل من الفوضى.. وهي في نفس الوقت دعوة لأصحاب الرأي المخالف إلى احترام الإطار الدستوري في التعبير عن رأيهم دون الدعوة إلى شلل مؤسسي يدفع الثمن منه الجميع.
لذلك تعالوا إلى كلمة سواء:
إلى منطق الدستور إلى حكمة المرجعية وإلى صوت العقل الذي يذكرنا أن سفينتنا الواحدة في وسط عاصفة وإن اختلفنا على طريقة التجديف فلا يجب أن نختلف على ضرورة وصولها إلى بر الأمان
زر الذهاب إلى الأعلى