الرئيسيةالمقالات

رواتب المتقاعدين في مهب الريح: هل تأخرت السيولة أم تصدّر الفساد؟

رواتب المتقاعدين في مهب الريح: هل تأخرت السيولة أم تصدّر الفساد؟

البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي

بينما ينتظر أكثر من ثلاثة ملايين متقاعد عراقي بفارغ الصبر راتبهم الشهري، الذي لا يكاد يكفي لسد رمقهم وسط تضخم الأسعار وجنون السوق، تفاجأ الشارع العراقي، مرة أخرى، بتأخر صرف رواتبهم عن موعدها المعتاد في الأول من كل شهر، حتى مع حلول اليوم الرابع من آب. لم يكن هذا مجرد تأخير تقني، بل هو انعكاس واضح لتخبط إداري وفساد مالي يضرب عمق المؤسسات المعنية، وعلى رأسها هيئة التقاعد العامة.

هيئة التقاعد.. أزمة إدارة أم فساد متراكم؟

في يوم الأحد، 3 آب، أعلنت هيئة التقاعد العامة أنها “استكملت رفع رواتب المتقاعدين”، وهي عبارة مألوفة اعتاد العراقيون سماعها قبل أن تعلن المصارف الحكومية كـ”الرافدين” و”الرشيد” صرف الرواتب. لكن هذه المرة، وبعد مرور 24 ساعة على إعلان الهيئة، لم يُطلق أي مصرف الرواتب فعليًا، ولم تصل رسائل إشعار الصرف إلى هواتف المتقاعدين، الذين تكدسوا أمام أجهزة الصرف الآلي، يفتشون عن أموالهم كما يُفتش المسافر عن وطنه!

لكن السؤال الأهم:
لماذا تأخرت الرواتب رغم اكتمال إجراءات “رفعها”؟ ولماذا لا توجد إجابة رسمية حتى الآن من وزارة المالية أو أي جهة معنية؟

هل هناك أزمة سيولة أم سوء نية متعمد؟

تشير تقارير غير رسمية إلى وجود أزمة سيولة خانقة داخل المصارف الحكومية، ربما بسبب الاستنزاف الكبير لأموال الدولة في ملفات خارج سلم الأولويات الوطنية: تمويل موازنات الأحزاب، النفقات السيادية غير المراقبة، ومخصصات الدرجات الخاصة التي تبتلع مليارات الدنانير شهريًا.

وحسب بيانات دائرة التقاعد، فإن الموازنة التشغيلية السنوية لرواتب المتقاعدين تفوق الـ 15 ترليون دينار عراقي، أي بواقع أكثر من 1.2 ترليون دينار شهريًا، تصرف للمتقاعدين المدنيين والعسكريين. وفي ظل عدم وجود رقابة صارمة، واستمرار التلاعب بـ”قاعدة بيانات المتقاعدين”، فإن هذا الملف بات أرضًا خصبة للفساد.

نماذج من شبهات الفساد:

1. رواتب لمتقاعدين متوفين:
تشير تقارير ديوان الرقابة المالية لعام 2023 إلى وجود أكثر من 27,000 حالة صرف مستمر لمتوفين لم يتم إيقاف رواتبهم، أو تأخر إيقافها لفترات تصل إلى سنتين.

2. الفساد في معاملات التقاعد الخاصة:
عشرات الآلاف من الملفات تم تمريرها بناءً على تقارير طبية وهمية أو عبر “وساطات حزبية”، خصوصًا في فئة ما يُعرف بـ”المجاهدين” و”ضحايا الإرهاب”، والتي تضاعف حجمها بشكل غير مسبوق بعد 2014.

3. المشاريع التقنية الوهمية:
في 2022، رُصد أكثر من 20 مليار دينار خصصت لما يُسمى بـ”أتمتة هيئة التقاعد”، لكن النظام لم يُفعّل حتى اليوم بشكل فعّال، وما زالت الطوابير والورقيات سيدة الموقف في جميع فروع الهيئة.

صمت رسمي.. واستهتار بكرامة الناس

الأدهى من كل ذلك هو الصمت الكامل من وزارة المالية، ومكاتب الوزراء، والبنك المركزي، عن سبب هذا التأخير. لا تصريح، لا تعقيب، ولا حتى اعتذار رسمي لملايين الناس الذين يعتمدون على هذا الراتب لتسديد الإيجارات، وشراء الدواء، وتأمين الطعام.

من المسؤول؟

هل هو ضعف في الرقابة البرلمانية؟

أم أن الملف يُدار من قبل “حيتان” لا يمكن الاقتراب منها؟

وهل سيُحاسب أحد على هذا الاستخفاف الجماعي بمعيشة الملايين من المسنين والعجزة والأرامل؟

الخلاصة:

ما يحدث ليس مجرد تأخير عابر، بل هو علامة انهيار في منظومة الدولة المالية والإدارية.
إن ملف رواتب المتقاعدين بات اليوم مقياسًا لصدق الدولة في تعهداتها، وإن استمرار الصمت والتجاهل هو دعوة مفتوحة لانعدام الثقة وارتفاع منسوب الغضب الشعبي، الذي قد ينفجر في أي لحظة.

المطلوب اليوم ليس فقط صرف الرواتب فورًا، بل:

فتح تحقيق شامل في هيئة التقاعد العامة،

مراجعة قاعدة البيانات الوطنية،

وإعلان خطة عاجلة لمعالجة أزمات السيولة والفساد.

فـ”الكرامة لا تنتظر رسالة SMS”، ولا يمكن ترك مصير الملايين مرهونًا بـ مزاج موظف أو فوضى مالية لا تنتهي.

البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي
# مرشح مستقل
# قائمة البديل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار