ثمن النزاهة والسيادة: العراق بين سرقة الأموال وتفريط الحدود
(19 تموز 2025)
بقلم/عدنان صگر الخليفه
يواجه العراق تحديين متداخلين: نهب ثرواته الداخلية والتفريط في سيادته. كلاهما نتاج نفوذ متغلغل يتجاهل مصلحة الوطن، ويُبرز مفارقة مؤلمة: حين يُعاقب المطيع ويُترك الفاسد.
تجسد قصة المفتش العام عباس الأسدي هذه المعضلة. لم تكن قضيته شخصية؛ بل سعى لاستعادة تريليونات الدنانير من الفساد الذي طال وزارات حيوية، وتورطت فيه قيادات محمية. لكن بدلًا من الدعم، وجد نفسه وحيدًا يواجه حملة ممنهجة. الأوامر الرسمية بمشاركته في دورة الدفاع الوطني، وعلم هيئة النزاهة ودعمها، وتلقيه راتبه من دائرته، كلها تناقضت مع حكم بالسجن سبع سنوات ضده وحده، بينما بقي آخرون في ظروف مشابهة بمنأى عن العقاب. الحكم عليه لم يكن لفساد ارتكبه، بل لالتزامه بالأوامر التي تلقاها. هذه القضية، التي امتدت عبر أربعة رؤساء وزراء متعاقبين، شكلت رسالة ترهيب واضحة: هذا مصير من يجرؤ على كشف الفساد. حتى وكيل المرجعية لم يتمكن من مساعدته، مما يكشف حجم النفوذ الهائل للفاسدين ومحاولاتهم تسييس القضاء.
على الموازاة، تقف قضية خور عبد الله، التي تمس السيادة الوطنية. فالمناشدات بعودته وكشف من “باعه” تعكس شعوراً بالتفريط في جزء حيوي من حدود العراق ومياهه. هنا أيضاً، الشكوك حول التسييس لا تتوقف عند الفساد المالي؛ بل تمتد لتطال صلب المؤسسة القضائية، بدليل الاستقالات والإقالات التي طالت مجلس القضاء الأعلى على خلفية ضغوط سياسية حول هذه القضية السيادية.
كلا القضيتين، وإن اختلفتا في طبيعتهما، تتشابهان في جوهرهما: سرقة من الدولة – سواء كانت أموالها وثرواتها، أو حدودها وسيادتها. إنهما تشيران إلى قوى نافذة داخل النظام السياسي تستطيع المساس بمقدرات العراق، ثم استخدام نفوذها للتغطية ومعاقبة من يحاول كشف الحقيقة. يعاني الأستاذ عباس الأسدي وعائلته منذ أكثر من ست سنوات، ليكونوا دليلاً حياً على التكلفة الباهظة للنزاهة في بيئة تهيمن عليها المصالح الحزبية والنفوذ الفاسد، بينما يبقى المتسببون في “سرقة” أموال وحدود الوطن في منأى عن المساءلة
زر الذهاب إلى الأعلى