صراع العقيدة والعدوان
ريما فارس
في ساحة الشرق الأوسط، تتكشّف اليوم واحدة من أوضح صور التمييز بين معسكر الحق ومعسكر الباطل. لا حاجة لكثير من التحليل حين تكون الصورة بهذه الجلاء: كيان احتلالي قائم على العدوان، والتوسّع، والتزييف، يقف في مواجهة دولة تُقاتل عن عقيدة، وتنهض بردّ فعل على اعتداءٍ سافر طال سيادتها ودماء أبنائها.
إسرائيل، الكيان الذي نشأ على نكبة شعب، وسُقي منذ ولادته بدماء الأبرياء، لا يزال يمارس سلوكَه التاريخي المجبول على الاستعلاء، مستندًا إلى ترسانة نووية وحصانة دولية غير مشروطة. لكنه اليوم، وعلى غير العادة، يواجه خصمًا مختلفًا. خصمًا لا يُقايض الدماء بالمواقف، ولا يساوم على الكرامة تحت ضغط الدبلوماسية، بل يقف بثباتٍ نابع من الإيمان بعدالة قضيته وعمق انتمائه.
إيران، التي تلقّت الضربة، لم تكن البادئة. لم تطلق أول شرارة، ولم تبحث عن معركة. لكنها، حين طالت الصواريخ أراضيها، لم تتردد لحظة في الرد. لا طمعًا في حرب، ولا لهثًا خلف نفوذ، بل دفاعًا مشروعًا عن النفس، وسيادةً لا تقبل المساومة. هنا الفرق الجوهري. فإسرائيل تقاتل من موقع المعتدي، بينما إيران تُقاتل من موقع الحقّ المدافع.
والمفارقة أن هذا الكيان نفسه، الذي يُشعل الجبهة مع إيران، لم يغلق جبهة غزة يومًا. ورغم أن اليوم لم يشهد قصفًا جديدًا على القطاع، فإن الموافقة على الضرب قائمة، والنية العدوانية حاضرة. فالعقلية التي تحاصر غزة، وتجوع أهلها، وتُدمّر منازلهم، لا تعرف لغة التهدئة، بل تترقب الفرصة لتُجهز على ما تبقى من صمودٍ في وجهها.
العدو لا يقاتل جيوشًا، بل يقاتل شعبًا، وأمّة، وأفكارًا عصيّة على الانكسار. واليوم، وهو يفتح على نفسه أكثر من جبهة، يظن أنه يفرض معادلات جديدة، لكنه في الحقيقة، يسرّع انهياره، لأن من يقاتل عن عقيدة لا يُهزم.
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري، بل اختبار للتاريخ: من يصنع المستقبل؟ أصحاب الدبابة، أم أصحاب المبدأ؟ وفي هذا الاختبار، لا يبدو أن الكيان الصهيوني قادرٌ على الصمود طويلًا أمام أمة تُقاتل بروح زينب وحسين، وتُحسن قراءة كربلائها المعاصرة.
زر الذهاب إلى الأعلى