التقاريرالرئيسية

إيران ومشروعها النووي: قراءة في المأزق الغربي والصبر الإيراني

إيران ومشروعها النووي:
قراءة في المأزق الغربي والصبر الإيراني

علاء الطائي

يُطرح سؤال يتكرر كثيرًا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية:
ما الذي تريده إيران من كل هذا التوتر؟
ولماذا تصر على المضي قدمًا رغم الدمار الذي لحق بالمنطقة؟
البعض يُحاول تبسيط الإجابة بحصرها في “عداء إيران مع إسرائيل” لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأعمق بكثير.
المسألة في جوهرها تتعلق بمشروع استراتيجي بعيد المدى:
مشروع التخصيب النووي الذي ترى فيه طهران بوابتها نحو الطاقة النظيفة أولًا، وحماية مصالحها الجيوسياسية ثانيًا.
الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة وأوروبا، يدرك أن العالم يتجه إلى مرحلة ما بعد النفط، حيث ستكون الطاقة النظيفة، وعلى رأسها الطاقة النووية السلمية، أساس المعادلات الاقتصادية والصناعية في العقود القادمة، وهنا تظهر الازدواجية الغربية، بينما تسعى دول مثل فرنسا وبريطانيا لتطوير برامجها النووية المدنية كجزء من السباق على طاقة المستقبل، تُحرم إيران من نفس الحق تحت ذرائع سياسية وأمنية.
لعبة تبادل الأدوار:
إسرائيل والولايات المتحدة
إسرائيل تدخل على الخط كطرف معني بإبقاء إيران خارج معادلة القوة تارةً تضغط على الولايات المتحدة لعرقلة أي اتفاق نووي، وتارةً تلوّح بخيار الحرب وضرب المنشآت النووية الإيرانية. لكن اللافت أن السلوك الإسرائيلي، رغم تصعيده، غالبًا ما يُوظف كأداة ضغط تفاوضي للغرب وليس بالضرورة كمقدمة لحرب شاملة.
الولايات المتحدة بدورها تعتمد سياسة إدارة الأزمة لا حلها، لا تريد إيران نووية، لكنها أيضًا لا تريد حربًا واسعة تُشعل المنطقة وتفقدها السيطرة لذلك، تسير السياسة الأمريكية وفق استراتيجية الاستنزاف والتطويق، مع الرهان على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية وربما بعض الضربات المحدودة، ستُفضي في نهاية المطاف إلى سقوط النظام الإسلامي في إيران أو تراجعه عن مشروعه.
إيران:
صبر استراتيجي لا رجعة فيه
إيران من جهتها، تدرك هذه اللعبة جيدًا، وقد وضعت منذ سنوات قواعدها الخاصة:
المشروع النووي خط أحمر.
تصفية العلماء لم توقف المسار بل جعلته أكثر صلابة.
الرهان على الأجيال القادمة يتطلب امتلاك هذه التقنية مهما كانت التضحيات.
إيران تراهن على الزمن والصبر: فكلما طال أمد الصراع، كلما اقتربت من انتزاع مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. لهذا السبب، حتى لو قبلت إيران، ظاهريًا، ببعض الشروط إلا أن الغرب لن يمنحها ما تريده جوهريًا، لأن المسألة ليست فقط عن تخصيب اليورانيوم، بل عن من سيحكم معادلة الطاقة في الشرق الأوسط في العقود القادمة.
مواجهة على مستوى الوجود
اليوم، المواجهة خرجت من مربع “الملف النووي” إلى مربع حرب الإرادات والوجود.
إسرائيل هدفها من التصعيد لإسقاط النظام الاسلامي الإيراني.
إيران غايتها من التصعيد من أجل إسقاط حكومة نتنياهو أو على الأقل إضعافها لدرجة الانهيار.
لهذا نحن أمام معركة معقّدة، فيها تبادل أدوار، تضليل سياسي، مساحات تفاوضية مموّهة، وحروب باردة تتخللها ضربات ساخنة.
لكن ما يبدو شبه مؤكد:
الغرب لن يسمح بوجود إيران نووية مستقلة.
وإيران لن تتراجع عن مشروعها النووي ومع تطورات الضربات الإيرانية الأخيرة، يبدو أن قواعد اللعبة بدأت تتغير.
الضربات التي وجهتها إيران كانت موجعة وأصابت أهدافاً استراتيجية حساسة في قلب المنظومة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، لتفتح الباب على نقاش جديد داخل الولايات المتحدة نفسها.
الصوت الأمريكي بدأ ينقسم، هذه ليست معركتنا، هذه حرب إسرائيل أرادتها وحدها، وأدارتها وفق مصالحها الضيقة، خطاب ترامب الأخير جاء ليُعبّر عن هذا التململ الأمريكي، إذ دعا إلى وقف إطلاق النار وتحدث بثقة عن إمكانية تفعيل الدور الدبلوماسي، مستعرضاً اتصالاته المباشرة مع بوتين وأمير قطر في مشهد يشي بتغير ملامح الاصطفاف الدولي.
كل ذلك يوضح أن إسرائيل غير قادرة على الاستمرار في هذه المعركة دون الدعم الأمريكي الكامل، لكن واشنطن اليوم لا تبدو مستعدة للمضي أبعد مما وصلت إليه من جانبها، أظهرت طهران أنها لم تعد تثق بالولايات المتحدة، بل باتت تعتبرها شريكاً فعلياً في المعركة، وأن المفاوضات مع الأمريكيين فقدت معناها في الوقت الراهن وفق هذه المعطيات، يبدو أن إيران ماضية في طريقها بثبات نحو تحقيق أهدافها، مستثمرة في الوقت والصبر والقدرة على إدارة معركة النفس الطويل.
إذًا… نحن أمام طريق مسدود، ولكن ليس بالضرورة أمام حرب شاملة. بل أمام لعبة استنزاف طويلة، قد تُشعل نقاط توتر كثيرة، لكنها على الأغلب ستظل دون العتبة التي تُفجر الإقليم بالكامل… إلا إذا قررت إسرائيل القفز إلى المجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار