الرئيسيةالمقالات

من رماد الفساد.. إصرار على بناء عراق جديد بمعايير دولية

من رماد الفساد.. إصرار على بناء عراق جديد بمعايير دولية

بقلم عدنان صگر الخليفه

عقودٌ عجاف مرّت على العراق، تاركةً وراءها نظامًا سياسيًا واقتصاديًا مُنهكًا، يستمد بقاءه من جذور عميقة من الفساد والمحاصصة. ومع كل بارقة أمل بالإصلاح، يصطدم العراقيون بواقعٍ مُرّ، قوامه قوى متنفذة تستثمر في إدامة هذا الخلل. بعد نقاشات معمقة وتحليل مستفيض، بات جليًا أن محاولات التغيير الذاتي في هذا السياق أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.
فالأحزاب الحاكمة، وهي المهندس والمستفيد الأول من الوضع الراهن، تبدو عازفة عن أي إصلاح حقيقي يهدد امتيازاتها المتراكمة عبر سنوات من الاستحواذ على السلطة والموارد. لقد بات “تسعير” المقاعد البرلمانية عبر شراء الأصوات واستغلال النفوذ والسلاح في الانتخابات عرفًا سائدًا، يُكرّس الفاسدين ويُقصي الأصوات النزيهة التي تفتقر إلى أدوات القوة والنفوذ.
يُضاف إلى ذلك، شريحة واسعة من الشعب باتت أسيرة حلقة مفرغة من الاعتماد على الدولة، سواء عبر الرواتب الحكومية الضخمة التي تستنزف مقدرات البلاد، أو نظام الحماية الاجتماعية الهش الذي يوفر مسكنات مؤقتة لا ترقى إلى حلول جذرية. هذا الاعتماد يخلق حالة من الخوف المشروع من فقدان مصدر الرزق الهش، مما يُضعف الدافع لدى الكثيرين للمشاركة في أي حراك شعبي قد يُغضب السلطة ويُهدد استقرارهم الاقتصادي الهش. حتى قطاعات يُفترض أنها قادرة على إحداث التغيير، كالمعلمين الذين يئنون تحت وطأة بيروقراطية خانقة ونظام تعليمي مُتهالك، يُستبعدون قسرًا من أي فعل احتجاجي خوفًا على مستقبلهم الوظيفي.
لقد ترسخت قناعة مفادها أن الرهان على تغيير جذري ينبع من صلب هذا النظام يبدو ضربًا من الخيال. فالمثل العراقي الدارج “لا تربط الجرباء حول صحيحة خوفًا على تلك الصحيحة تجرب” يختزل هذه الحالة ببراعة، مؤكدًا أن محاولة بناء مستقبل سليم بالاعتماد على قوى مُتغلغلة في الفساد لن تؤدي إلا إلى تلوث المسعى برمته.
إزاء هذا الانسداد الداخلي، يلوح في الأفق حلٌّ يبدو الأكثر منطقية وربما الأكثر إلحاحًا: إعلان إصرار شعبي واعٍ على بناء عراق جديد، يستند إلى تفعيل حقيقي لقوانين انتخابات وأحزاب نزيهة، تُستمد من المعايير الدولية، وتُطبّق تحت إشراف دولي حقيقي وفاعل. هذه الرقابة الخارجية وحدها قادرة على ضمان حد أدنى من نزاهة العملية الانتخابية، وتقليل فرص التلاعب الممنهج، وفتح المجال تدريجيًا أمام قوى سياسية جديدة ونزيهة للمنافسة بشكل عادل.
إن تفعيل قوانين تضمن التمثيل العادل لكافة أطياف الشعب، وتُنظم عمل الأحزاب بشفافية ومساءلة حقيقية، وتحمي الصندوق الانتخابي من العبث والتدخل، هو الشرط الضروري لإرساء قواعد ديمقراطية سليمة. والإشراف الدولي المستقل، الذي يتمتع بصلاحيات واسعة واستقلالية تامة عن أي تأثير داخلي، هو الضمانة الأكثر وثوقية لتطبيق هذه القوانين بحذافيرها وبناء ثقة الجمهور المفقودة في العملية السياسية. هذا الإشراف يجب أن يسبق أو يتزامن مع تفعيل القوانين لضمان وجود معايير واضحة للمراقبة ومحاسبة المتورطين في أي انتهاكات.
ختامًا، فإن إصرار العراقيين على التغيير يجب أن يتجسد في مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته التاريخية تجاه بناء عراق جديد، قوامه النزاهة والعدالة. الاعتماد على إصلاح ذاتي يبدو سرابًا في ظل هيمنة قوى الفساد. الأمل الحقيقي يكمن في تبني مسار واضح يفرض رقابة دولية حقيقية وفاعلة تضمن نزاهة العملية السياسية وتُعيد للشعب حقه المغتصب في اختيار ممثليه بحرية وشفافية. من رماد الفساد المستشري، ينبعث إصرار على بناء عراق جديد، ولكن هذه المرة، بمعايير دولية تضمن عدم تكرار المأساة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار