المقالات

دعونا نقيم عمارة الشعائر..معمارنا الأول..!

دعونا نقيم عمارة الشعائر..معمارنا الأول..!

عمار محمد طيب العراقي ||

قبل يومين كنت في الكاظمية المقدسة، شأني شأن ملايين المؤمنين، وهم يعزون انفسهم بسنوية الإمام الكاظم عليه السلام..
هناك رأيت من يحاورون التأريخ، يتحدثون مع اسراره وكأنها فيهم.. قبلها..كنت اقضي ليلتي مع كتاب للفيلسوف المستشرق الألماني الكبير ماربين Marbin)).. كان الرجل متأبطا كتابه الرائع (المجالس الحسينية في الهند)، مفتخرا بأن صحيفة الحبل المتين الإيرانية، نشرت له بإعتزاز رسالته الموسومة: الثورة الكبرى او السياسة الحسينية، وكتابه يتحدث عن السياسة الإسلامية المبنية على فلسفة الإسلام، كان الرجل يستذكر ما نشره عنه مركز الأبحاث العقائدية، موسوعة من حياة المستبصرين.
يقول الفيلسوف ماربين: (إن المسلمين لن يعيشوا الذلّة ما دامت لديهم هذه المجالس التي يتعلمون فيها دروس الشجاعة والتضحية)..قالها بخط عريض في كتابه (فلسفة الشهادة والعزاء،ص١٠٩)
في هذا الجو من الشجاعة والتضحية التي وصفها الفيلسوف المنصف (ماربين)؛ كنت اشهد شيخا طاعنا بالسن، يحاور نهايته ولكنه يمضي بإصرار عنيد، في دروب الكاظمية المقدسة، وكأنه على موعد مع من سيعطيه، عن طيب خاطر مفاتيح الجنة..!
في كتاباته يعقد الفيلسوف الألماني ماربين؛ مقارنة بين السيد المسيح والامام الحسين “ع”، يعتمد فيها على تصورات الشيعة، واعتقادهم بالإمام الحسين”ع” قائلا: “ولكن الذي نقدر ان نكتبه في كتابنا بكمال الطمأنينة وبلا خوف المعارض، هو ان تابعي علي، يعتقدون في الحسين، اكثر مما تقوله النصارى في المسيح، فكما اننا نقول إن عيسى تحمل هذه المصائب لتكفير السيئات عنا، هم يقولون ذلك في الحسين ويعدونه الشفيع المطلق يوم القيامة”.
الفيلسوف المخلص لله تعالى السيد ماربين؛ كان يقصد بوضوح، الوجاهة وعلو السمو بين الشيعة، ويكمن مالحظة الشبه الكبير في الظروف، التي احاطت بالعظيمين المنزلين، متحدثا عن قلة الناصر، فيما الشبه الثاني يكمن في حسن العاقبة للطرفين..يرى ماربين بفلسفته المنصفة، أن الله تعالى رفع عيسى الى السماء بعد أن اراد اليهود قتله، فيما أصبح الحسين “ع” بعد ارتحاله، قبلة للمؤمنين الناشدين وجه الطمأنينة والشفاعة، باحثين عن معاني الله تعالى، فيما خلق من بشر مثاباتي دائم..
في الصفحة الثانية من ليلتي مع (ماربين) وفلسفته الساحرة، كنت اقرأ للإمام الخميني “قد”، وكان بريق قوله, يرن في بالي بقوة الحق والحقيقة: فيقول “قد” : إنّ الذي صان الإسلام وأبقاه حيّاً حتّى وصل إلينا، هو الإمام الحسين عليه السلام، الذي ضحّى بكلّ ما يملك وقدَّم الغالي والنفيس، وضحّى بالشباب والأصحاب، من أهله وأنصاره في سبيل الله عزَّ وجلّ، ونهض من أجل رفعة الإسلام، ومعارضة الظلم…
ونحن وخطباؤنا إنّما سعينا لإبقاء قضيّة كربلاء حيّة، قضيّة مواجهة الثلّة المؤمنة القليلة, لنظام طاغوتيّ متجبّر، ونهوضها بوجهه مستمرّة متواصلة.
إنّ البكاء على الشهيد يُعدّ إبقاءً على اتقاد جذوة الثورة وتأجّجها، وما ورد في الروايات من: أنّ مَن بكى أو تباكى أو تظاهر بالحزن فإنّ أجره الجنّة، إنّما يفسّر بكون هذا الشخص يساهم في صيانة نهضة الإمام الحسين عليه السلام).
هذه هي رؤيتنا لحقيقة الشعائر الدينية عموما، والحسينية خصوصا، نقيمها كهوية تعريفية لنا، في افراحنا وأتراحنا، في موتنا وحياتنا، في امسنا ويومنا وغدنا، هي عنواننا الصريح نسلمه الى سعاة البريد، وهي صورتنا التي يعرفنا الناس بها، ونعرفهم بنا، بلا وجل أو تلكوء في طرح العنوان.
إنها ايضا عنواننا السياسي، وبها وعبرها، نطرح رؤيتنا لما يجب ان يكون عليه العالم، بعنوان واضح كبير عريض هو: رؤية الإمام الحسين عليه السلام.
وهي ايضا مثاباتنا القتالية الحاكمة، كيف نرص صفوفنا، ونقوي فعلنا وإرادتنا، وواقعة الحسين في كربلاء المقدسة، مثال لا يوارى أبدا، في التفكير والتعبئة والقتال، وتحشيد الرجال وصناعة الموقف والرأي، والثبات عند المواجهة، وتمتين الجبهات، وبناء النصر بالشهادة ودم الرجال.
نعم، نحن نبكي على مصائب أئمتنا عليهم السلام، ونحن نعتقد بلا مواربة، إن كلمة (لا) التي أطلقها الإمام الحسين (ع)، قبل أربعة عشر قرناً، لابدّ أن تبقى حية مدى الدهر..وحزننا وبكائنا لن ينقطع أبدا، لأنه بكاء على المظلوم وصرخة ضد الظالم..وسترفع أيدينا بلا حياء, لأنها التي نرفعها اليوم بقوة، موجهة ضد الظالم بعنف، ولابد من الحفاظ عليها مرفوعة؛ فهي من الشعائر الإسلامية والسياسية الفاعلة المنتجة..
إنها ايضا “عمارتنا” الفارهة العالية، ونفس صرختنا على الإمام الحسين”ع”، ستعلو في اوجه الظالمين، وهي ذاتها الصرخة، التي كانت نداء رقم واحد للحشد الشعبي المجاهد، في معركته مع الأشرار التكفيريين يوم ارادوا انتهاكنا، وهي ذاتها التي رفعها حرس الإمام، وهو يصيح يا حسين، بوجه طغيان شاه إيران المجرم.
شكرا
27/1/2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار